كانت رائحة بن محمص تفوح في أنحاء الشارع منبعثة من مكان ما في أسفل الممر- بن حقيقي وليس بن النصر-، توقف ونستون رغما عنه اللحظات ربما عادت به ذاكرته خلالها إلى دنيا طفولته شبه المنسية، وبعدئذ شمعت طقة باب يغلق لتختفي الرائحة على أثر ذلك فجأة، وكأنما كانت صوتا وجب.
كان قد جال عدة كيلومترات فوق الأرصفة حينما عادت دواليه تنقز عليه، وكانت هذه هي المرة الثانية خلال ثلاثة أسابيع التي يتخلف فيها عن حضور الأمسيات في المركز الاجتماعي، وفي هذا تهور لأن عدد مرات الحضور كان موضع مراجعة دقيقة. ووفقا لأحد مبادئ الحزب، ما كان لعضو بالحزب أن يكون لديه وقت فراغ أو أن ينفرد بنفسه إطلاقا إلا عند نومه، بل كان من المفترض أن يشارك في أي لون من ألوان الترفيه الجماعي طالما أنه لا يعمل أو يتناول طعاما أو ينام. وكان إقدام العضو على عمل يوحي بميل للعزلة، حتى لو كان ذلك نزهة على الأقدام يقوم بها منفردة، هو عمل فيه مخاطرة واضحة. وكان يعبر عن ذلك في اللغة الجديدة بكلمة الحياة خاصة، وهي تعني الفردية والتمرکز حول الذات. ولكنه عندما انصرف من الوزارة في ذلك المساء أغراه نسيم نيسان العليل بمتابعة السير تحت السماء التي كانت أشد زرقة وأكثر دفئة من أي وقت مضى في هذه السنة. وفجأة بدت له تلك الأمسيات