الطويلة الصاخبة التي تقام في المركز العام وما يصحب ذلك من ألعاب مجهدة ومحاضرات مملة، وصخب الرفاق وهم يتبادلون أنخاب الشراب، بدا له كل ذلك أمرا لا يحتمل. وبدافع لاإرادي وجد نفسه يغادر موقف الحافلات ويهيم في متاهات لندن لا يلوي على شيء وسط شوارع لا يعرفها، فتارة يسير جنوبا وأخرى شرقا وثالثة شمالا غير آبه أين يسير وباي اتجاه.
وكانت الكلمات التي كتبها في مذكراته إن كان هنالك من أمل فإنه يكمن في العامة» لا تني تتردد في ذهنه أثناء سيره وقد رأى فيها حقيقة خافية وعبثا. وكان آنذاك قد وصل إلى مكان ما وسط الأحياء القذرة الداكنة اللون والواقعة شمال شرق ما كان يعرف ذات يوم بمحطة القديس بانيراس)، كان يسير في شارع مرصوف بالأحجار، على جانبيه تصطف بيوت صغيرة من طابقين محطمة الأبواب تطل مباشرة على رصيف الشارع كانها جحور جرذان. وكنت ترى بركة من الماء القذر هنا وهناك بين الأحجار. وفي مداخل الأبواب المعتمة، وفي الأزقة الضيقة المتفرعة، كانت أعداد هائلة من الناس تتكوم، فتيات في ميعة الصبا وقد طلين شفاههن بطريقة فجة، وشباب يلاحقون الفتيات، ونساء مترهلات يسرن متهاديات يمشين على مهل كنماذج لما ستكون عليه الفتيات الشابات بعد عشرة أعوام، ونساء عجزة يسرن على أقدام مفلطحة، وأطفال في ثياب مهلهلة وأقدام حافية يلعبون في برك الماء رغم سماعهم صيحات غضبي من أمهاتهم، وربما كان ربع عدد نوافذ الشارع محطمة ومرقعة ... ولم يعر معظم الناس اهتماما بونستون عدا قلة منهم رمقته بشيء من الاستغراب الحذر. وكانت تقف على مدخل أحد الأبواب امرأتان ضخمنان بسواعد حمراوات آجرية طويت فوق المئزر، تتجاذبان أطراف حديث التقط ونستون مقاطع منه عندما اقترب منهما:
-نعم لقد قلت لها إن كل هذا حسن. ولكنك لو كنت في مكاني