الفعلت الشيء نفسه الذي فعلته، وقلت أيضا إن من السهل أن تنتقدي الآخرين طالما ليس عندك من المشاكل ما عندي.
وقالت الأخرى: آه! ذلك هو الأمر تماما، إنه صحيح تماما.
وما إن مر بهما ونستون حتى لاذتا بالصمت فجأة وهما تتفحصانه بنظرات عدائية صامتة. في الحقيقة لم يكن ذلك عداء بالمعنى المعروف للكلمة بل مجرد حذر وتخوف وقتي كالذي يحدث عند مرور حيوان غير مألوف أمام المرء، إذ لم تكن رؤية اللباس الأزرق أمرا مألوفة في مثل هذا الشارع. ومن المؤكد أنه لم يكن من الحكمة في شيء أن تتواجد في مثل تلك الأماكن ما لم تكن مكلفا بمهمة محددة هناك. وإذا حدث وصادفتك دورية فقد يستوقفونك ويسألونك: اهل تسمح لنا برؤية هويتك أيها الرفيق؟ ماذا تفعل هنا؟ متى تركت عملك؟ أهذا هو طريقك المعتاد في العودة لمنزلك؟ وهلم جرا ... » وليس ذلك بسبب قواعد تحظر العودة للمنزل من غير الطريق المعتاد، وإنما لأن مثل هذا العمل يلفت انتباه شرطة الفكر.
فجأة امتلا الشارع عوية وصراخ، وانبعثت صيحات الإنذار من كل حدب وصوب وأخذ الناس يتقاطرون إلى مداخل الأبواب کالأرانب. وهرعت امرأة صغيرة السن من مدخل باب قريب جدا من ونستون وأمسكت بطفل نحيل كان يلعب في بركة من الماء ثم لفته بمئزرها وقفزت به إلى الداخل. حصل كل ذلك في لمح البصر. وفي اللحظة نفسها اندفع رجل يرتدي ?لة سوداء من زقاق جانبي وقفز نحو ونستون وهو يشير بفزع إلى السماء ويصيح في وجهه:
بارجة ... ! احذر أيها المسؤول! إنها تدوي فوق رأسك! انبطح أرضا بسرعة!»
وكان العامة لسبب ما يستعملون كلمة «بارجة، للإشارة إلى القذائف الصاروخية، وغالبا ما كانوا على صواب عندما يطلقون تحذير من هذا القبيل. وبالرغم من أنه يفترض أن القذيفة الصاروخية تفوق في سرعتها