سرعة الصوت، فقد بدا أنهم كانوا يتمتعون بغريزة ما تنبئهم بها قبل سقوطها بثوان معدودة، انبطح ونستون أرضا وشبك ساعديه حول رأسه، ثم سمع أزيزة مدوية بدا له كما لو أن الأرض قد أرتجت بقوة وتساقط وابل من أجسام خفيفة على ظهره، ثم تبين له عندما وقف على قدميه أنها كانت شظايا من زجاج تطاير من النوافذ القريبة تحيط به من كل جانب.
وبعدئذ تابع سيره، وكانت القنبلة قد دمرت مجموعة من البيوت بامتداد مئتي متر في الشارع وتصاعد عمود أسود من الدخان في السماء مع غيمة من الغبار الكثيف غطت الأنقاض الناجمة عن الدمار. تجمع جمهور من الناس أمامه على الرصيف حيث كانت تكوين من الجبس وفي وسطه يستطيع المرء أن يتبين خيطا أحمر لامعة. وعندما اقترب ونستون راي بدا بشرية مبتورة من المعصم وقد ابيضت تماما، عدا العقد الدامية التي فيها مما جعلها تشبه الجبس.
لكن هذا الشيء بقدمه إلى البالوعة وأخذ شارع جانبية ليتحاشي الزحام، وفي غضون ثلاث أو أربع دقائق كان قد أضحى خارج المنطقة المنكوبة حيث كانت الشوارع على حياتها الحقيرة الصاخبة كأن شيئا لم يحدث، وكانت الساعة قد بلغت الثامنة مساء تقريبا وقد غطت الحانات بروادها من عامة الشعب، ومن أبوابها المتجهمة، دائمة الاهتزاز بين فتح وغلق، انبعثت رائحة البول ونشارة الخشب والجعة الحامضة. في زاوية ناشئة عن نتوء واجهة أحد المنازل وقف ثلاثة رجال متقاربين جدة وقد أمسك أوسطهم بجريدة مفتوحة فيما كان الآخران يتطاولان لقراءتها من فوق كتفيه، وحتى قبل أن يصبح على مقربة تسمح له باستقراء تعابير وجوههم رأي استغراقهم الشديد الذي شمل كل ذرة من أجسامهم، وكان واضحا أنهم يقرأون نبأ على جانب من الخطورة. وعندما أصبح على بعد خطوات منهم تفرقوا فجأة ودخل اثنان منهم في تلاسن عنيف حتى بدا أنهم على وشك البدء في توجيه اللكمات.