الصفحة 76 من 350

كان ونستون يحلم بأمه. حرك ذاك الحلم ذكراها في داخله، وفکر أنها لا بد قد اختفت وهو بعد في العاشرة أو الحادية عشرة من عمره. كانت امرأة طويلة ممشوقة القوام كتمثال، تميل إلى الصمت، بطيئة الحركة، ولها شعر أشقر جميل. بعدئذ تذكر والده على نحو أكثر تشوشة، فما يذكره عن والده أنه أسمر البشرة، نحيف، ويرتدي دائما ملابس سوداء أنيقة وأكثر ما يذكره ونستون عن والده أنه كان ينتعل حذاء ذا نعل رقيق) ويضع نظارة على عينيه. وقد قضى والداه نحبهما في إحدى موجات التطهير الواسعة التي جرت في الخمسينات.

في تلك اللحظة كانت أمه تجلس في مكان سحيق تحته وهي تحمل شقيقته الصغرى بين ذراعيها. وأما شقيقته فلم يكن يتذكر شيئا عنها على الإطلاق فيما عدا أنها كانت طفلة نحيلة، ضعيفة، دائمة الصمت وذات عينين واسعتين شاخصتين. كلتاهما كانتا تتطلعان إليه. فكلتاهما كانتا في موضع ما أسفل الأرض، ربما في قاع بئر مثلا أو في قبر عميق عميق، ولكنه، رغم بعد المكان عنه وعمقه، فإنه كان ما زال يهوي إلى أسفل. كانتا على سطح سفينة تغرق وتنظران إليه عبر ظلمة المياه. كان ما يزال هناك بعض الهواء الذي تتنفسانه، وما يزال باستطاعته أن يراهما وترياه وكانتا تغرقان وتغرقان إلى الأعماق السحيفة حبث المياه الخضراء التي سواريهما عن الأنظار إلى الأبد. كان هو في الهواء الطلق وتحت أشعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت