الشمس، أما هما ففي الماء الذي يشدهما نحو الموت. لقد كانتا حيث هما لأجل أن يكون هو في مكانه الذي هو فيه. كان يدرك ذلك كما تدركانه، ويراه على وجهيهما. لم يكن هنالك ملامة على وجهيهما أو في قلبيهما نحوه، كأنهما نعرفان أنه كان يجب أن تموتا من أجل أن يظل هو على قيد الحياة، وكان هذا جزءا من مسار لا مفر منه. و لم يكن باستطاعته أن يتذكر ما الذي حصل، لكنه عرف في حلمه بطريقة ما أن أمه وشقيقته قدمتا حياتيهما فداء لحياته هو. لقد كان حلما من تلك الأحلام التي، رغم محافظتها على المشهد المميز لأجواء الأحلام، تبقى امتدادا لحياة الإنسان الفكرية، والتي يصبح المرء فيها على وعي بالحقائق والأفكار التي تبقى محفورة في ذاكرته حتى بعد أن يستيقظ.
وما خطر لونستون هو أن موت أمه، منذ ثلاثين سنة تقريبا، كان مأساة محزنة بشكل لم يعد موجودة. فالماساة، كما يفهمها، باتت شيئا يخص العالم القديم، وينتمي لزمان كان ما يزال فيه خصوصية وصداقة وحب، لزمان كان ما يزال أفراد العائلة الواحدة يقفون فيه جنبا إلى جنب دونما حاجة إلى معرفة السبب. كانت ذكرى وفاة أمه تمزق قلبه، فقد كانت تحبه، وماتت وهي تحبه، فيما كان هو صغيرة وأنانية أعجز من أن يبادلها حبا بحب. ولسبب لا يعرفه لم يكن يتذكر كيف ضحت بنفسها في سبيل مفهوم من الولاء كان خاصة بها وغير قابل لأن يتحول أو يتزعزع. وراي أن أشياء كهذه لا يمكن أن تحدث في هذه الأيام التي باتت زمانة للخوف والكراهية والألم، ولا مكان فيها للعواطف السامية أو للأحزان العميقة أو المعقدة المتشابكة.
كل هذا بدا له أنه يراه في عبون أمه وأخته الواسعة عندما كانتا تتطلعان إليه عبر المياه الخضراء، وعلى بعد مئات الفراسخ في الأعماق، وهما تغرقان الأسفل وتغرقان.
وفجأة راي نفسه واقفا على أرض يكسوها عشب ربيعي في نهاية