نهار صيفي حيث أشعة الشمس المائلة للغروب تذهب الأرض. إنه المشهد نفسه الذي يتكرر مرارة في أحلامه حتى بات يشك فيما إذا كان قد رأى ذلك في اليقظة أم في المنام. في أوقات اليقظة كان يسمي هذا المشهد: الريف الذهبي. إنه مرعى قديم كانت ترعى فيه الأرانب، ويجتازه متلوية ممر ضيق وحفر لي هنا وهناك. أما على السياج في الجانب المقابل من الحفل فقد كانت أغصان شجر الدردار تتمايل على نحو خفيف مع النسيم بينما نحف أوراقها متحركة بكتلها الكثيفة مثل شعر النساء، وعلى مقربة ينساب جدول صاف ورقراق حيث تسبح الأسماك في برك تحت أشجار الدردار.
وعبر الحقل، كانت الفتاة ذات الشعر الأسود تسير نحوه. وبحركة واحدة نزعت ثيابها ورمتها جانبا دون اكتراث. كان جسدها ناعما وبشرتها بيضاء، لكن ذلك لم يثر فيه أدني رغبة، بل إنه بالكاد تطلع إليها. لكن الذي استهواه من ذلك كله هو تلك الحركة التي نزعت بها ثيابها وطرحت بها أرضا. فبرشاقتها وعدم مبالاتها بدا كأنها تقوض ثقافة كاملة وتنقض نظاما فكريا بكليته، كما لو أن الأخ الكبير والحزب وشرطة الفكر يمكن أن تذهب أدراج الرياح بحركة بارعة كحركة ذراعها. لقد كانت هذه الحركة أيضأ من بقايا الزمن القديم واستيقظ ونستون وكلمة شكسبير على شفتيه.
كانت شاشة الرصد ترسل صفيرة بصم الآذان استمر على وتيرة واحدة لثلاثين ثانية، وكانت الساعة تدق السابعة والربع وهو وقت استيقاظ العاملين بالمكاتب. قفز ونستون من فراشه عارية، إذ كان العضو العادي بالحزب لا يتسلم إلا ثلاثة آلاف نسيمة ملابس سنوية، وكانت البيجامة تكلف وحدها ستمائة، ليس على عجل بعض الملابس الداخلية المتسخة وسروالا كان معلقا على كرسي. كانت فترة التمارين الرياضية ستبدأ في غضون ثلاث دقائق. وفي اللحظة التالية تملكته نوبة سعال عنيفة، كانت تنتابه تقريبا بعد استيقاظه، أجهدت رئتيه بشدة حتى أنه لم