يكن يستطيع التنفس إذ ذاك إلا بعد أن يستلقي على ظهره ويشهق عدة شهقات عميقة. انتفخت عروقه من أثر السعال كما بدأت الدوالي تؤلمه.
ثم تعالي صوت أنثوي قوي لامرأة تزعق: المجموعات من ثلاثين إلى اربعين! رجاء، خذوا أماكنكم! من ثلاثين إلى أربعين!.
قفز ونستون متخذا وضعية الاستعداد أمام الشاشة. ظهرت امراة شابة نحيفة لكنها مفتولة العضلات ترتدي بذلة وحذاء رياضية، ثم صرخت:
مع ثني الذراعين ومدهما، تابعوا معي، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، هيا أيها الرفاق، لتكن حركاتكم أكثر حيوية. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة! واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة ...
لم يصرف ألم السعال ذهن ونستون عن الانشغال بما أثاره ذلك الحلم داخله. بل إن تلك الحركات المتناسقة من التمرين الرياضي قد أبقت على هذا التأثير. فبينما كان يحرك بصورة آلية ساعديه إلى الأمام وإلى الوراء، إلى فوق وإلى تحت، متظاهرة بالانشراح، وهو ما كان يعد أمرا ضرورية أثناء التمارين الرياضية، كان يحاول جاهدة استرجاع تلك الفترة التي بلفها من طفولته المبكرة، ولو أن ذلك كان في غاية الصعوبة، فبعد الخمسين يتلاشى كل شيء من الذاكرة. وإذا لم يكن هنالك سجلات يمكنك الرجوع إليها، فإن خط حياة الإنسان قد يمحى أثره من الذاكرة. قد تخطر على ذاكرته أحداث كبيرة من المحتمل ألا تكون قد وقعت، أو تفاصيل أحداث دون أن تكون قادرة على استكناه الأجواء والظروف التي رافقتها. ومن الممكن أن تكون هناك فراغات زمنية كبيرة لا يمكنك أن تملأها بأي أحداث. لقد تغير كل شيء، حتى اسماء البلدان ومساحاتها على الخرائط تغيرت. فالقطاع الهوائي رقم واحد على سبيل المثال لم يكن هذا اسمه في تلك الأيام، كان يسمى إنجلترا أو بريطانيا، أما لندن، حسبما كان يشعر، فقد كانت دوما تسمى لندن.