لا يذكر ونستون على وجه التحديد وقتا لم تكن فيه بلاده في حالة حرب، ولكن كان من الثابت له أنه كان هنالك فترة طويلة من السلام قد تخللت طفولته، لأن من ذكريات طفولته الأولى بذکر غارة جوية فاجات الجميع على حين غرة. ربما كان ذلك عندما ألقيت قنبلة ذرية على كولشيستر، وهو لا يذكر الغارة نفسها، لكنه يذكر يد والده وهي تقبض على يديه بينما كانا يهرعان نازلين إلى مكان عميق تحت الأرض على سلم حلزوني يرن تحت قدميه، مما ألم ساقيه واضطره للتوقف وأخذ قسط من الراحة، فيما أمه بحركتها الهادئة الحالمة كانت في صف طويل وراءهما وهي تحمل أخته الصغيرة، أو لعل ما تحمله كان صرة من البطانيات. فهو ليس متأكدة مما إذا كانت أخته قد ولدت أم لا. أخيرة وصلوا إلى مكان مزدحم يعج بالضجيج، وهو حسبما اعتقد، محطة قطار أنفاق.
كان هنالك أناس يجلسون على أرض مرصوفة بالحجارة، بينما آخرون يتزاحمون بشدة وهم يجلسون على مقاعد معدنية الواحد فوق الآخر. استطاع ونستون وأمه وأبوه أن يجدوا لهم موطئة. وبالقرب منهم كان رجل وامرأة طاعنان في السن يجلسان جنبا إلى جنب على مقعد. كان الرجل العجوز يلبس بذلة سوداء وقبعة من القماش الأسود تنحسر اللوراء كاشفة عن شعر ناصع البياض. كان وجهه قرمزية وعيناه زرقاوين ومغرورقتين بالدموع، وتنبعث منه رائحة الخمر وكأنها تفوح من جسمه وليس من الشراب، حتى كان المرء ليحسب أن الدموع التي تسيل من عينيه هي خمر صاف، ولكنه رغم كونه ثملا قليلا، فإنه كان رازح تحت أحزان حقيقية لا تحتمل. وبطريقته الطفولية أدرك أن ثمة واقعة فظيعة، واقعة لا يمكن غفرانها أو علاجها، قد حدثت. وبدا له أيضا أنه قد عرف السبب. شخص ما كان يحبه العجوز، ربما حفيدة صغيرة، قد قضت نحبها، وكان العجوز يتمتم من حين لآخر قائلا: اكان يجب ألا نثق بهم، هذا ما قلته أليس كذلك، هذا ما جنيناه من ثقتنا بهم، لقد