الصفحة 168 من 350

منه. لقد كانت صرخة غضب ويأس قوية وعميقة وعالية أخذت تدوي كانها صدى أجراس تدق. وشعر بقلبه يثب من الفرح. لقد حانت اللحظة! هكذا ظن، إنه الهيجان! لقد انفكت عامة الشعب من عقالها أخيرة. وما إن وصل ذلك المكان حتى رأى حشد من الغوغاء يبلغ عدده حوالي المائتين أو الثلاثمائة امرأة وقد تجمهرن حول أكشاك سوق الشارع وبدت وجوههن ملتاعة كوجوه ركاب سفينة تغرق. غير أنه في هذه اللحظة استحال ذلك القنوط الجماعي إلى مشاجرات فردية نشبت بين المتجمهرات. واتضح أن أحد هذه الأكشاك كان يبيع قدورة من الصفيح ذات نوعية رديئة ورخيصة في حين كان من الصعب دائما الحصول على أوعية للطهي من أي نوع. إذ كان المخزون منها قد نفد على نحو مفاجئ، فكانت بعض النسوة يحاولن الابتعاد بما فزن به من أوعية ويتعرضن للضرب والدفع أثناء ذلك، فيما راحت عشرات أخريات يصحن حول الكشك متهمات البائع بالتحيز وبإخفاء الأوعية. ومن جديد تعالت الصيحات حينما ظهرت امرأتان منتفختان، إحداهما منسدلة الشعر، تمسكان بقدر واحدة وتتنازعان عليها وتحاول كل منهما تخليصه من يد الأخرى حتى انخلع مقبض القدر. كان ونستون يراقب المنظر باشمئزاز. وتعجب للحظة من تلك القوة المرعبة التي تبدت في تلك الصرخة التي انطلقت من بضع مئات من الحناجر؟ لماذا لا يصرخن مثل هذه الصرخات من أجل شيء له قيمته؟ >

وهنا عاد إلى مذكراته ومضى يكتب: لن يثوروا حتى يعوا ولن يعوا إلا بعد أن يثوروا.

وغلب على ظنه أنه لا بد أن يكون ذلك مأخوذة عن أحد كتب النصوص التي وضعها الحزب. كان الحزب يزعم، بالطبع، أنه حرر العامة من أغلال العبودية، فقبل الثورة كانوا يلاقون أبشع أنواع الاضطهاد على أيدي الرأسماليين، كما يضربون بالسياط ويتضورون جوعا، وكانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت