هنالك أحد أعضاء الحزب فإنها تستوقفه لفحص أوراقه واستجوابه باسئلة محرجة. غير أنه لم تعترض ونستون في رحلته أي دوريات، ومع ذلك كان وهو في طريقه من المحطة يأخذ جانب الحذر ويتلفت خلفه مرة تلو أخرى خشية أن يكون ثمة من يقتفي أثره. كان القطار مزدحما بالعامة الذين تخيم عليهم أجواء الانتعاش المصاحبة للعطلة في طقس صيفي الطيف، وكانت العربة ذات المقاعد الخشبية التي استقلها ونستون تغص بأسرة واحدة كبيرة العدد تراوح أعمار أفرادها ما بين جدة طاعنة في السن وطفل رضيع ابن شهر واحد. كانت هذه الأسرة ذاهبة لقضاء بعض الوقت لدى بعض أصهارهم في الريف وأيضأ، وحسبما عبروا بصراحة الونستون، الحصول على قليل من الزبد من السوق السوداء.
اتسع الممر، وما هي إلا دقيقة حتى وجد ونستون نفسه أمام الطريق الذي حدثته عنه الفتاة. وكان مجرد طريق للماشية يمتد بين شجيرات قصيرة. لم يكن ونستون يحمل ساعة ولكنه كان يقدر أن الوقت لم يبلغ الثالثة مساء بعد. وكانت الزهور الزرقاء التي تشبه الأجراس تکسو الأرض بشكل كثيف للغاية إلى حد يستحيل معه ألا يطأها المرء بقدميه. رکع ونستون على ركبتيه وجعل يقطف بعضها ليقتل الوقت من ناحية ولأنه من ناحية أخرى كانت تراوده فكرة غامضة وهي أن يقدم للفتاة باقة من الزهور لحظة لقائه بها، وكان ونستون قد جمع باقة كبيرة وراح يشم رائحتها الزكية عندما أتاه صوت من ورائه جمد الدم في عروقه. كان الصوت صوت وقع أقدام تطأ الحشائش. ولكنه تجاهله وواصل قطف الزهور غير مكترث إذ ارتأى أن ذلك هو أفضل ما يمكنه عمله، وراح يفكر فيمن يكون هذا القادم، ربما كانت الفتاة وربما كان شخصا آخر يتعقب خطاه. ولأن تلقته حواليه كان من شأنه أن يثير الشكوك حوله، فقد راح يقطف زهرة تلو أخرى حتى أحس بيد تربت على كتفه برقة
رفع وجهه فإذا بالفتاة أمام عينيه. وأشارت إليه محذرة من أن يتفوه بكلمة، ثم شقت طريقها عبر الشجيرات لتنفذ إلى داخل الغابة عبر ممر