الصفحة 278 من 350

ضيق. لم يكن ثمة شك في أنها سارت في هذا الممر من قبل، إذ كانت تروغ من البقع الموحلة كما لو كانت تفعل ذلك بحكم الألف والعادة. وتبعها ونستون وهو ما يزال يقبض على باقة الزهور. في البدء شعر ونستون بالارتياح، بيد أن مراقبته لهذا القوام الممشوق القوي وهو يتبختر أمام عينيه وقد شد على الخصر ذلك الزنار القرمزي شدا يبرز مفاتن الردفين قد كرست لديه الشعور بالدونية وخيل إليه أنها ربما تراجع نفسها في ما هي مقدمة عليه إن هي استدارت ونظرت إليه. لكن عذوبة الهواء وخضرة أوراق الربيع كانتا قد ملأتاه رهبة. وكانت شمس أيار في المسافة التي قطعها من المحطة قد أثارت لديه شعورا بالخجل من قذارته وشحوبه، کمخلوق لا يرى الشمس، وقد انسدت مسام جلده بفعل سخام لندن الذي يكسوها. وتنبه إلى أن الفتاة ربما لم تره حتى الآن في وضح النهار حيث الضوء الساطع. وبلغا الشجرة المتداعية التي حدثته عنها فتجاوزتها الفتاة وشقت لنفسها طريقة بين الشجيرات التي بدت مسدودة، وسار ونستون في أثرها، وسرعان ما وجد أنهما يقفان في مرجة من العشب الأخضر الصغير تحيط بها أشجار وارفة الظلال تحجب الرؤية. هنا توقفت الفتاة ثم التفتت قائلة:

-ها نحن قد وصلنا.

وقف محقة فيها تاركا بينه وبينها خطوات، فهو لم يجرؤ على الاقتراب منها لأكثر من ذلك.

واستطردت تقول: «لم أشأ أن أحدثك بشيء ونحن في الطريق خشية أن يكون ثمة ميكروفون مخبأ في مكان ما. وإن كنت أعتقد أن ليس هناك شيء من ذلك ولكن يجب أخذ الحيطة على أي حال، فاحتمال التقاط صوتك وتمييزه من قبل أحد الأوغاد يظل احتمالا قائمة على الدوام. أما هنا فنحن في أمان.

ولم يجد ونستون في نفسه من الشجاعة ما يكفي لبنجر به على الدنو منها حتى الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت