الصفحة 30 من 350

المشكوك في صحته والذي دونه في صدر الصفحة الأولى، وسرعان ما امتدت يده ليتناول قاموس اللغة الجديدة وبحث باهتمام عن كلمة التفكير المزدوج، فلأول مرة يستشعر خطورة ما أقدم أو ما هو مقدم عليه، وتساءل في نفسه كيف يمكن أن يتسنى له الاتصال بالمستقبل؟ إن مثل هذا العمل مستحيل في حد ذاته، إذ إن المستقبل إما أن يكون شبيها بالحاضر وبالتالي لن ينجاوب معه، أو مغايرة له وحينئذ لن يكون التكهناته التي يعيش من أجلها أي معنى.

مضت لحظات وهو يحدق في الورقة التي أمامه ببلادة. وكانت شاشة الرصد قد انتقلت لإذاعة موسيقى عسكرية صاخبة، وقد تولاه الفزع ليس لأنه فقد القدرة على التعبير عما تجيش به نفسه فحسب، بل لأنه نسي كلية ما كان يحيك في صدره ويهيئ له نفسه منذ أسابيع. لقد كان يظن أنه لن يحتاج إلى شيء آخر غير الشجاعة والإرادة، إذ الكتابة أمر يسير ولا تحتاج إلى كثير عناء، وما عليه إلا أن ينقل ما كان يجول بخاطره لسنوات من حوارات طويلة مع النفس إلى الورق، تلك الحوارات التي كانت تعتمل في رأسه وتسبب له القلق وعدم الارتياح. بيد أنه في هذه اللحظة بدا له كما لو أن ينابيع هذه الأفكار قد جفت، بل لقد بدا يشعر بألم الدوالي في ساقه اليمنى، ولم يجرؤ على حكها خوفا من أن تلتهب كالسابق، كانت الثواني تمضي بسرعة، ولكنه لم يكن يعي من حوله غير الصفحة البيضاء التي أمامه، والألم الذي في كاحله، وصوت الموسيقى الصاخبة وشعور خفيف بالدوار بتأثير شراب الجن. ا ونجاة وجد نفسه يكتب، وقد تملكنه حالة من الرعب. لم يكن يدرك تماما ما كان يفعله. كان خط يده الشبيه بخط الأطفال يميل في تعرجات إلى أعلى وإلى أسفل وقد انفصلت الأحرف الأولى والنقط وعلامات الوقف عن الكلمات، وقد كتب ما يلي:

الرابع من نيسان 1984، ذهبت إلى إحدى دور السينما وكانت جميع الأفلام التي تعرض أفلامأ حربية، وكان الفيلم الذي يلقى إقبالا هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت