ذلك الذي في مشهد منه سفينة ضخمة تتعرض وهي محملة باللاجئين القصف بالقنابل في مكان ما من البحر الأبيض المتوسط، وقد شر المتفرجون بمنظر رجل ضخم بحاول النجاة بنفسه ويبتعد عن السفينة الغارقة فيما تلاحقه إحدى الطوافات. في بادئ الأمر بدا وكأنه سلحفاة تسبح في الماء بصعوبة، إلى أن أمطره رماة الطوافة بطلقات ملأت جسمه بالثقوب فاصطبغ البحر من حوله بالأحمر القاني، ثم غرق نجاة كما لو أن المياه قد تسربت داخله عبر الثقوب، وانفجر المشاهدون ضحكة عندما كانت المياه تبتلعه. ثم رأيت قارب نجاة محملا بالأطفال وتلاحقه طوافة، وقد جلست في مقدمة المركب امرأة في أواسط عمرها، ربما تكون يهودية، وكانت تحتضن طفلا في الثالثة من عمره وهو يصرخ خوفا وهلعا بينما بدست راسه بين ثديها، وكأنه يريد أن ينفذ إلى داخلها، والمرأة تحيطه بذراعيها وتلاطفه رغم أنها كانت هي الأخرى ترتعد خوفا ورعبأ. لقد كانت تحاول طوال الوقت أن تحتضن جسده لعل ذراعاها تدرآن عنه طلقات مدافع الطائرة. في هذه اللحظة ألقت الطوافة قذيفة زنة 20 كيلوغرامة على القارب فغرق بمن فيه ولم يظهر منه غير ذراع طفل تطاير إلى أعلى في الهواء، وقد بدا أن الطوافة تحمل آلة تصوير في مقدمتها تبعت الذراع إلى أعلى، وهنا علا التصفيق من مقاعد رجال الحزب، غير أن امرأة من النساء الجالسات في مقاعد العمال اخذت تضرب الأرض برجليها وهي تصرخ: لا يجوز عرض هذه المشاهد بحضور الأطفال، واستمرت في ذلك حتى تدخل رجال الشرطة وأخرجوها من القاعة. ولا أظن أن مكروها قد أصابها بسبب ذلك فليس ثمة من يأبه لما يقوله الفقراء.
هنا توقف ونستون عن الكتابة، واغلب الظن أنه كان يتألم من الدوالي ولم يكن يدري ما الذي جعله يكتب مثل هذا السيل من الهراء. غير أن الشيء الغريب هو أنه بينما كان يقوم بذلك، إذا بحادثة تلمع بجلاء ووضوح في ذاكرته، إلى حد أنه انكب على كتابتها بلا تردد، وقد