الصفحة 46 من 350

غولدشتاين، ورغم العزلة التي فرضت عليه وحالة العجز التي يعيشها، بل ووجوده الذي أصبح موضع شك، فإنه يبدو مثل ساحر شرير قادر بقوة صوته فقط أن يقوض بنيان الحضارة

لقد كان بمقدور المرء أن يحول كراهيته بهذا الاتجاه أو ذاك بمحض إرادته، وفجأة وبالقوة العنيفة التي يرفع المرء بها رأسه من على الوسادة حينما يستولي عليه کابوس، استطاع ونستون أن يحول كراهيته من الوجه الظاهر على الشاشة إلى تلك الفتاة ذات الشعر الأسود الفاحم الجالسة وراءه. وطافت برأسه تخيلات جميلة وقوية. كانت تراوده الرغبة في أن يضربها ضربا يفضي بها إلى الموت بهراوة من المطاط، أو يقيدها عارية إلى عمود ثم يرميها بزخة من السهام مثل القديس سباستيان. کم ود لو استطاع أن يغتصبها ثم يحز رقبتها عند بلوغه لحظة النشوة. والآن أدرك ونستون أكثر من ذي قبل سبب كراهيته لها، لقد كان يبغضها الجمالها وصغرها وعزوفها عن الجنس، ولأنه كان يمني نفسه بأن يكون معها في فراش واحد لكن ذلك لم يكن ممكنة، فقد كانت تحيط خصرها الممشوق الناعم، الذي كان يغري المرء أن يلف ذراعه حوله، بحزام قرمزي کريه هو رمز العفة.

وبلغت الكراهية ذروتها، وأصبح صوت غولدشتاين ثغاء خروف حقيقي بل تحول وجهه للحظة إلى وجه خروف. ثم لم يلبث أن تلاشي اليحل محله وجه جندي من جنود أوراسيا كان يندفع كالعملاق فينشر الرعب وهو يحمل في بده بندقية آلية تهدر، ويبدو وكأنه سيثب من الشاشة، حتى أن بعض المشاهدين الذين كانوا في المقاعد الأمامية كانوا يجفلون للوراء وهم في مقاعدهم. ولكن وفي اللحظة نفسها تنفس الجميع الصعداء إذ تلاشت هذه الصورة وحلت محلها صورة الأخ الكبير بشعر رأسه الأسود وشاربه الكث ورزانته الغامضة وقوته الفياضة، وكان وجهه من الضخامة بحيث ملأ الشاشة كلها. لم يكن ثمة من يسمع ما كان يقوله الأخ الكبير، فقد كانت مجرد كلمات تشجيعية معدودة من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت