الصفحة 48 من 350

تلك التي يتمتم بها في معمعة المعارك لا يستطيع المرء تمييزها، بيد أنها كانت تعيد الثقة إلى النفس بمجرد التلفظ بها. ثم تلاشى وجه الأخ الكبير وظهرت شعارات الحزب الثلاثة بأحرف كبيرة بارزة:

الحرب هي السلام

الحرية هي العبودية

الجهل هو القوة

لكن وجه الأخ الكبير، ورغم زواله عن الشاشة، بقي منطبعا عليها الثوان أخر، كما لو أن تأثيره الذي تركه في أعين الحضور أقوى من أن ينمحي دفعة واحدة وعلى الفور. أما المرأة ذات الشعر الذهبي فقد انحنت في مقعدها إلى الأمام وصدرت عنها همهمة كأنها تقول ايها المخلص»، ومدت ذراعيها باتجاه الشاشة، ثم دفنت رأسها بين راحتيها. وكان يبدو من ذلك أنها تتلو بعض الصلوات.

وفي هذه اللحظة، انخرط جميع الحاضرين في ترديد إيقاعي الترنيمة الكبير .. الكبير، كانوا يرددونها ببطء ووضوح ويتوقفون اللحظات بين المرة والأخرى. كان صوت الهمهمة ثقيلا ومفعمة بشيء من البربرية، ومن خلفيته كان ينبعث صوت يحسبه السامع وقع اقدام عارية أو دقات طبول بعيدة. استمر ذلك الصوت ثلاثين ثانية. إنه عبارة عن لازمة تكرارية كتلك التي سمع عادة في لحظات الانفعال الغامرة، أو ترنيمة تتغنى بحكمة الأخ الكبير وجلاله، والأرجح أنه شكل من التنويم الذاتي المغناطيسي وحالة من تغييب الوعي من خلال الإيقاعات الرتيبة، أما ونستون فقد بدا أن البرد قد أخذ يسري فيه حتى نفذ إلى أحشائه، ومع ذلك لم يكن أمامه بد من المشاركة في حالة الهيجان العامة. أما تلك الترانيم الكبير .. الكبير .. فقد كانت دائما تملأه رعبا. نعم لقد كان يترنم مع الآخرين، فقد كان مستحيلا أن يفعل غير ذلك، فان تخفي مشاعرك الحقيقية وأن تتحكم في انفعالات وجهك، وأن تفعل ما كان يفعله كل شخص آخر، كل ذلك كان فعلا غريزية. ولكن هنالك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت