الصفحة 50 من 350

لحظات يمكن فيها أن تكون تعبيرات عينيه قد كشفت حقيقته. وفي هذه اللحظات تحديدا حدث ذلك الشيء الهام، هذا إن كان قد حدث فعلا.

لقد التقت عيناه عيني أوبراين الذي كان قد انتصب واقفة وهو يرفع نظارته عن أنفه ثم يعيد تثبيتها بإيماءته المميزة. ورغم أن عيونهما لم تلتق إلا لأجزاء من الثانية فقد كان ذلك كافية حتى يدرك ونستون أن أوبراين كان يفكر في نفس ما يفكر فيه ونستون. لقد كانت تلك النظرة بمثابة رسالة لا يمكن أن يخطئها المرء، وبدا كما لو أن عقل كل منهما قد انفتح على عقل الآخر فتدفقت الأفكار من واحد لآخر عبر عيونهما. وخل لونستون أن أوبراين يقول له «أنا معك، إنني على معرفة دقيقة بمشاعرك، وأعرف كل شيء عما تضمره من ازدراء وكراهية واشمئزاز، ولكن لا عليك فأنا في صفك!» عندئذ خبا بريق التخاطر الفكري وبدا وجه أوبراين خلوة من أي تعبير کسواه من وجوه الآخرين.

هذا كل ما حدث. ولم يكن ونستون متأكد من أن كل ذلك قد حدث فعلا، لأن مثل هذه الحوادث تمر عادة دون أن تكون لها نتائج، وكل ما فعلته هو أنها أبقت على اعتقاده أو أمله بأن هنالك أيضا آخرين لديهم مشاعر العداء نفسها نحو الحزب. ولربما كانت الشائعات عن وجود مؤامرات سرية واسعة النطاق صحيحة، بل ربما كانت رابطة

الأخوة موجودة حقا. لقد كان من المستحيل على المرء، بالرغم من الاعتقالات اللانهائية والاعترافات المتالية وأحكام الإعدام، أن يؤمن بأن

الأخوة، إن هي إلا خرافة. وكان ونستون يؤمن أحيانة بوجودها وأحيانا بعدم وجودها، لم يكن هنالك دليل، بل مجرد إشاعات قد تعني شيئا وقد لا تعني شيئا، فالمكالمات المسترقة أو الكتابات المسجلة على جدران المراحيض العامة أو حتى لقاء غريبين أو إشارة يد تبدو كانها إشارة سرية للتعارف، كل ذلك مجرد تكهنات ومن المحتمل جدا أن يكون الأمر كله محض خيال لا يوجد إلا في مخيلة ونستون.

عاد ونستون إلى مكتبه دون أن يلتفت مرة ثانية إلى أوبراين، ولم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت