الصفحة 52 من 350

تخطر بباله فكرة متابعة هذا التواصل العابر. كان الأمر ينطوي على مخاطر شديدة حتى لو عرف كيف بحتاط لها، لقد تبادلا نظرة غامضة وخاطفة لم تدم أكثر من ثانيتين وهذا كان كل ما في الأمر. ولكن حتى ذلك الأمر العابر كان حدثا يستحق الذكر في مثل هذا الجو الانعزالي الذي كان يتحتم على المرء العيش فيه.

نهض ونستون من مقعده ثم جلس منتصبة، ثم تجشأ، فقد كان الشراب يغلي في معدته.

أعاد التحديق في الصفحة التي أمامه فاكتشف أنه عندما كان مستغرقة في التفكير كتب على الصفحة شيئا ما بدافع عفوي لا إرادي، ولم تكن الكتابة هذه المرة كتلك التي كانت حروفها غير مقروءة جيدة، فقد جرى قلمه هذه المرة بسهولة على الورق الناعم وبأحرف كبيرة أنيقة:

ليسقط الأخ الكبير

ليسقط الأخ الكبير

ليسقط الأخ الكبير

ليسقط الأخ الكبير

وظل يكتب هذه العبارة حتى ملأ بها نصف الصفحة.

وما إن استفاق لما يخطه بيده حتى تملکه شعور بالفزع والهلع. إن الأمر لا يعدو أن يكون هراء إذ إن كتابة هذه الكلمات لم تكن أشد خطرة من مجرد اقتنائه مفكرة والبدء في تسجيل مذكراته. وقد راودته الرغبة في تمزيق الصفحات التي كتبها ومن ثم التخلي عن ذلك المشروع المغامرة برمته.

ولكنه لم يفعل ذلك لإدراكه أن تمزيقها لن يجدي فتيلا، وسيان أكتب ليسقط الأخ الكبير أو أحجم عن كتابتها، وسواء احتفظ بالمفكرة أو لم يحتفظ بها، فإن شرطة الفكر سننقله. فقد اقترف، وما زال يقترف، جرما، بل وحتى لو لم يضع القلم على الورق فقد اقترف أم الجرائم التي تنطوي على جميع الجرائم، إنهم يطلقون عليها «جريمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت