الصفحة 94 من 186

ضاقت به منافذ الأنكار، فباح بسره، وأعلن الأسلام والتوبة (120) .

هذه الفراسة وشبيهاتها هي ضرب من استيحاء الغيب واستنباط الأسرار بالنظر الثاقب. .

لقد كانت له فطنة الرجل العليم بنقائص الأخلاق وخبايا النفوس، ولم حكم عليها قط كأنه ينظر اليها من جانب واحد أو يطبعها في تفكيره بطابع واحد، بل علم الدنيا وعلم كيف يتقلب الإنسان، وراح في علمه هذا يراقب الناس مراقبة الحذر، ويقيم عليهم الأرصاد اقامة الرجل الذي لا يفونه ... أن ينتظر منهم ما ينتظر من خير وشر وقوة وضعف وصلاح وفساد • وكفي من كلماته الدالة عليه أن تذكر أنه كان يحب أن يعرف الشر كما يعرف الخير، لأن الذي لا يعرف الشر أحرى أن يقع فيه، وهو القائل: و احترسوا من الناس بسوء الظن (121) .

وقد عاشره أناس من الدهاة فخبروه وحذروه! قال المغيرة بن شعبة العمرو بن العاص: «أأنت كنت تفعل أو توهم عمر شيئا فيلقنه عنك؟ والله ما رأيت عمر مستخلية بأحد الا رحمته كائنا من كان ذلك الرجل .. كان عمر والله أعقل من أن يخدع وأفضل من أن يخدع،.

انما كان عمر كما وصف نفسه: وليس بالخب (122) ولكن الحب لا يخدعه (123) .

على أن القدرة الذهنية التي امتاز بها عمر في غنى عن الاستدلال عليها بما قال وما قيل فيه وما دار بينه وبين القوم من المساجلات والمحاورات. إنه عمل ما لم يعمله الا القليل من أقدر الحكام في تاريخ بني الأنسان و کفي بذلك دليلا على قدرته الذهنية (124) .

(120) سيرة ابن هشام (307/ 2 - 308)

(121) عبقرية عمر (61)

(122) الخب: الخادع الغشاش.

(123) عبقرية عمر (62) وانظر العقد الفريد (2/ 68)

(124) عبقرية عمر (64)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت