والدليل على أن الكفر إنما يباح في حالة الإكراه الملجئ دون غيرها من حالات الإكراه أمران:
الدليل الأول:
أن العلة في إباحة الكفر للمكره هو سقوط التكليف عنه لأن تكليفه بدفع ما لا يقدر على دفعه من الإكراه هو من باب التكليف بما لا يطاق وقد قال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} وقال: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا} وقال: {رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا} وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أن الله تعالى قال:"نعم".وفي رواية الترمذي قال:"قد فعلت".
ومنع التكليف بما لا يطاق معلوم بالضرورة، بل إن الكثير من القائلين بجوازه وهم أكثر الأصوليين قالوا: يجوز التكليف بما لا يطاق، مع كونه ممتنع الوقوع. فصار الخلاف لفظيا.
أما التكليف بالمستحيل لأجل ما سبق في علم الله من أنه لا يوجد مثل ايمان أبى لهب فالتكليف بهذا النوع من المستحيل واقع شرعًا باجماع المسلمين.
فان ايمانه بالنظر إلى مجرد ذاته جائز عقلا لكنه مستحيل من جهة أخرى، وهى من حيث تعلق علم الله فيما سبق أنه لا يؤمن.
أقول: وإذا كان السبب في إباحة الكفر للمكره هو سقوط التكليف عنه لامتناع تكليفه بما لا يطاق ففي هذا دليل على أن كل إكراه يستطيع الإنسان دفعه إما بمغالبته ورده وإما لكون ما فيه من الأذى يسيرا يمكن الصبر عليه فلا رخصة لصاحبه في الكفر بل يتعين عليه إما المدافعة وإما الصبر.
ولا يخرج من هذه الصورة إلا الإكراه الملجئ التام الذي يفقد فيه الإنسان قدرته ويُسلب إرادته فهو الذي رخص لأجله في قول الكفر أو فعله مع اطمئنان قلبه بالإيمان.
والعلة تدور مع معلولها وجودا وعدما.
الدليل الثاني:
سبب نزول الآية، فقد روى ابن جرير عن ابن عباس: (قوله: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ... } إلى آخر الآية، وذلك أن المشركين أصابوا