عمار بن ياسر فعذّبوه، ثم تركوه، فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدّثه بالذي لقي من قريش، والذي قال: فأنزل الله تعالى ذكره عذره: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ} .. إلى قوله {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ).
وروى عبد الرزاق في تفسيره عن معمر، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن عمار بن ياسر، في قوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} ، قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنا بالإيمان، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: فإن عادوا فعد.
وجه الدلالة من الحديث أن عمار بن ياسر لم ينطق بكلمة الكفر حتى عذّبه المشركون.
وقد أشار البخاري رحمه الله إلى حد الإكراه المرخص في الكفر عندما قال في كتاب الإكراه من صحيحه:"باب: من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر"
وقد أورد رحمه الله في هذا الباب أحاديث فيها جميعا الإشارة إلى أن الكفر لا يباح إلا في حالة الإكراه الملجئ ..
مثل حديث أنس مرفوعا (ثلاث من كُنّ فيه وجد حلاوة الإيمان ــ ومنها ــ وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) .
وفي الحديث إشارة إلى أن العودة في الكفر تعدل دخول النار. .وهذا يعني أنه لا يحل الترخص فيه إلا لأمر عظيم.
وحديث سعيد بن زيد وفيه: (لقد رأيتُني وإن عمر مُوثِقِي على الإسلام) وفي ذلك إشارة إلى أن القيد لا يبيح الترخص في الكفر لأن عمر بن الخطاب ــ قبل إسلامه ــ كان يوثق سعيد بن زيد ليرتد عن الإسلام، ولم يكن القيد رخصة له في قول الكفر.
وكل ما تقدم دليل على أنه لا رخصة في الكفر والشرك إلا في حالة الإكراه الملجئ.
تنبيه:
قوله تعالى: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ ... } لا تعارض فيه مع قوله تتعالى: {والفتنة أكبر من القتل} وقوله: {والفتنة أشد من القتل} لأن