والناس جبلوا على تعظيم من يعرف قدر نفسه ويلزمه واحتقار من يتعالى ويسموا على قدره:
ومن جهلتْ نَفْسُهُ قَدْرَه ... رأَى غَيْرُه منه مالا يَرَى
ومن رفع نفسه فوق قدرها أضر بها ولم ينفعها ..
قال في حلية الأولياء: (أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير في كتابه وحدثني عنه محمد بن إبراهيم قال سمعت أبا علي الوراق يقول من جهل قدر نفسه عدى على نفسه وعدى على غيره وآفة الناس من قلة معرفتهم بأنفسهم) (10/ 360) .
وكل امرئ حسيب على نفسه وعليم بحالها فليتعامل مع الله عز وجل بخلق المراقبة.
لكن ما ذكرناه لا يعني أن العامي لا يجب عليه تبليغ العلم .. كلا ..
بل يتعين عليه تبليغ ما علم لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ليُبلِّغ الشاهد الغائب) متفق عليه،
ولفظ"الشاهد"يعم العالم والعامي على حد سواء، ولم يرد تقييده ببلوغ الغاية في العلم.
وقال صلى الله عليه وسلم: (نضَّر الله امْرَأً سَمِع مقالتي فبلَّغها، فرُبَّ حامل فِقه غير فقيه، ورُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) رواه أحمد
فقوله صلى الله عليه وسلم (رُبّ حامل فقه غير فقيه) دليل على مشروعية تبليغ العامي للعلم.
ولكن هذا بالنسبة للتحمل والأداء ..
كما قال ابن حجر رحمه الله في فوائد هذا الحديث: (فيه الحثّ على تبليغ العلم، وأن الفهم ليس شرطا في الأداء) .
ومعنى التحمل والأداء: نقل المعلومة كما هي إلى من لم تبلغه ..
أما بالنسبة للاجتهاد والاستنباط فلا بد له من قدر من العلم والفهم لقوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] .فالاستنباط والاجتهاد وظيفة أهل العلم خاصة.