واجب الوجود، وكذلك يقال في الروح القدس؛ إذ إنه منبثق من الأب والابن ومشابه لهم بعد ذلك، فهو غير واجب الوجود.
وعلى ذلك لا يجوز الاعتقاد في أن الأب ليست به نقيصة، وإذا كان كذلك فلِمَ كان محتاجًا إلى أن ينجب الابن الذي هو إله مثله؟ ولماذا كان محتاجًا لأن يفرز الروح القدس، فهو أيضًا إله مثله.
ويوجد تساؤل أيضًا، وهو: في أي وقت أنجب الأب الابن؟ فإذا قيل: في وسط الزمان فهذا يعني أنه لم يكن في بداية الزمان، فلا يكون أزليًّا مثل الأب - وإذا كان في بداية الزمان فهذا يعني أنه من الممكن أن يكون الابن قد أنجب الأب - ونجد أن بعضهم أراد أن يفسر هذا الأمر فقالوا: إن الأب منجب دائمًا، والابن مولود دائمًا بلا توقف، حيث الزمان دائرة متصلة من الأوقات ... وإذا كان كذلك، فإن الابن يهلك من وقت إلى آخر، وبعد أن يهلك يتكوَّن مرة أخرى، ويولد مرة ثانية بعد ذلك على الدوام، حيث يكون في وقت موجودًا، وفي وقت آخر هالكًا، وبذلك يكون غير أزلي. - وهناك دليل آخر، وهو: أن الابن لا يمكن أن يكون في درجة كمال الأب ولم تتح له قوته؛ حيث إن الأب كان بقوته منجبًا ابنًا، والابن لم ينجب، وإن كان سبب ذلك هو المنع فيكون غير كامل، وإن لم يرغب في الإنجاب فقد أحيلت قوته إلى البطلان، وكذلك الروح القدس في عدم مشابهته للأب الذي يستطيع أن يكون مؤثرًا بقوته، ولا يستطيع الروح القدس، وإن لم يرغب في إظهار ذلك فلن يكون مؤثرًا بقوته مثل الأب - ويقدم النصارى دليلًا على التثليث بقولهم في الجمرة المشتعلة، فيرون فيها التثليث ما بين نار، لهب، فحم، وبشكل عام هذا ليس بدليل؛ وذلك لأن الجمرة من الممكن أن تكون بلا لهب وهي مشتعلة، وكذلك اللهب بدون جمرة مثل اللهب في مقلاة الزيت، ثم إن الفحم من الممكن ألا يشمل الاثنين، والحقيقة أن النصارى لم يهتموا بألوهية ياشو إلا بعد الترجمة السبعينية [1] .
(1) يرى البعض أن"التثليث أو الثالوث هو الاعتقاد في ثلاثة أقانيم متساوية في الجوهر الإلهي؛ الأب، الابن، الروح القدس، وقد قرر مجمع نيقية - شمال شرق تركيا حاليًّا - المجمع المسكوني الأول المنعقد عام 325 م تساوي الأب والابن في الجوهر، وأكد مجمع القسطنطينية الأول المجمع المسكوني الثاني المنعقد عام 381 م ألوهية الروح القدس."
يرجى مراجعة: عدنان المقرني - نقد الأديان عند ابن حزم الأندلسي - ص 82.