انفردت الرسالة السماوية الخاتمة بتعريفها للألوهية مسترجعة للفظ الجلالة (الله) ضمن نصوصها التشريعية المقدسة التي حفظت ودونت باللغة العربية (القرآن الكريم والسنة النبوية)
تلك الرسالة التي اكتمل بها الدين (الإسلام) ، الذي ارتضاه الله لعباده [1] ، هذا الدين الذي جعل من لفظ الجلالة"الله"علَمًا على الإله الواحد المعبود بحق، فهو بمثابة الإشهار للربوبية والعبودية، فلم يستطع أحد من البشر أن يتسمى به، فهو الذي عرفته البشرية منذ آدم وحتى مجيء رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، ولا ندعي أن لفظ الجلالة"الله"لم يكن معهودًا إلا في الرسالة الخاتمة، بل سبقت به الرسالات السماوية (رسالة نبي الله موسى، ورسالة نبي الله عيسى عليهما السلام) ، إلا أن الطبعات الحديثة للكتب السماوية التي بين أيدينا الآن لم نجد فيها ذكرًا للفظ الجلالة، مع كونه علمًا على الألوهية في تلك النصوص المترجمة إلى اللغة العربية، ولكن المصادر الإسلامية تؤكد على وجود لفظ الجلالة قديمًا، وهذا ما يفسر معرفة مشركي العرب للفظ الجلالة"الله"الذي لم يكن في مقدورهم أن يطلقوه على وثن أو معبود أرضي أو سماوي، وكان الحوار مع أهل الكتاب (اليهود والنصارى) غايته قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] .
وهذا ما دفعني إلى البحث في مفهوم الألوهية من خلال كتابات الأدب الجدلي [2] ، بين أتباع الرسالات السماوية والإسلام، وكيفية تناول الأدب الجدلي لهذا المفهوم، وخاصة في الأندلس الإسلامية (العصر الذهبي) ، كما سيقدم البحث صورة من الأدب الجدلي تختلف عما عهدناه، فهذه المرة بين يهودي ضد أتباع النصرانية، ولم أغفل عرض الأدب الجدلي بين الإسلام وأتباع النصرانية، كمقارنة بين الفكر اليهودي والفكر الإسلامي؛ لذا وقع الاختيار على مثال إسلامي من القرن الحادي عشر الميلادي، ومثال يهودي في القرن الرابع عشر الميلادي كان لاحقًا
(1) قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3] .
(2) الجدل بفتح الجيم؛ أي: اللَّجاج في الخصومة ... وعند المنطقيين: هو القياس المؤلف من مقدمات مشهورة أو مسلمة، وصاحب هذا القياس يسمى جدليًّا ومجادلًا.
يرجى مراجعة: محمد علي التهانوي - موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم - تقديم د رفيق العجم وآخرين - مكتبة لبنان - لبنان - 1996 - ج 1 - ص 553.