الصفحة 8 من 31

ولقد أسهمت الكتب الجدلية في الأندلس في إظهار التحريف لكل من اليهودية والنصرانية، استنادًا على الاستنباط العقلي، وما روي من نصوص تناقض بعضها البعض، كانت حاضرة قبل بعثة نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم، وتوارى كثير منها في صدر الإسلام، ثم قدمت إلى العصر الأندلسي تجر أذيال التأويل النصي والمحاكاة المعيبة للمسلمين، فساعدت علماء الأدب الجدلي في إظهار الرؤية النقدية للمعتقد المعيب، الذي توارى خجلًا أمام محاجاة المسلمين العقلية، فصار الأدب الجدلي الإسلامي مثالًا [1] لارتباط الوحي بالعقل في مفهومه للألوهية، التي اختلف في وصفها كثير من النحل والمعتقدات، كما اختلفت الطوائف حول المسمى الدال على الإله، مما جعل كل طائفة تلعن أختها، باعتبارها هي الأقرب إلى الصواب، إلا أن الثابت من القول يكمن ما بين التعددية في الآلهة والوحدانية، وظل المجتمع البشري يتأرجح عقائديًّا ما بين الألوهية الواجبة لواجد الوجود والبشرية والتجسيد والتعددية.

وفي ظل الإسلام لم يبق في سجل التاريخ سوى كتابين، اعتبرهما القرآن مراحل أولية للدين، ألا وهما التوراة - الإنجيل، اللذان تناقلتهما الأقلام تارة بالحقيقة، وكثيرًا بالتأويل والتبديل، فكان قلم الكاتب يصور الإله بالشكل المادي فيشبهه بالبشر، فلقد عرف بنو إسرائيل الذات الإلهية إرثًا من آبائهم، كما يدعون، ثم تحولت تلك المعرفة إلى التجسيد، كما جاء على لسان أقلام كتبة العهد القديم [2] ، إضافة إلى أن التجسيد والمسميات المرتبطة به كان له أطوار [3] مختلفة تتابعت زمنيًّا، طبقًا للعصر وما حواه من أحداث، وطبقًا للظروف الاجتماعية والسياسية.

(1) قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: ما ناظرت أحدًا فقبل مني الحجة إلا عظُم في عيني، ولا ردها عليَّ إلا سقط في عيني.

يرجى مراجعة: عبدالقوي الطوفي المتوفى عام 716 هجرية، كتاب عَلَم الجذل في علم الجدل - تحقيق فولفهارت هاينريشس - دار نشر فرانز ستاينر - فيسبادن - ألمانيا 1408 ه - 1987 م - ص 14.

(2) يرى وول ديورانت: أن العلماء مجمعون على أن أقدم ما كتب من أسفار التوراة هو سفر التكوين، وقد كتب بعضه في يهودا، وبعضه في إسرائيل، ثم تم التوافق بين ما كتب هنا وهناك بعد سقوط دولتي اليهود، والرأي الغالب أن سفر التثنية من كتابة عزرا، ويبدو أن أسفار التوراة الخمسة اتخذت صورتها الحاضرة حوالي عام 300 ق. م.

انظر: السموءل بن يحيى بن عباس المغربي - بذل المجهود في إفحام اليهود - قدم له عبدالوهاب طويلة - دار القلم دمشق - الدار الشامية بيروت - 1989 ص 136.

(3) لقد صورت كتابات العهد القديم الذات الإلهية صورًا مادية أقرب إلى البشرية، كما جاء في قصة مصارعة الرب ليعقوب وتسميته بإسرائيل.

انظر: د خالد عبدالحليم عبدالرحيم السيوطي - الجدل الديني بين المسلمين وأهل الكتاب بالأندلس - دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع - القاهرة - 2001 - ص 153.

وعند دخول مصر في عصر نبي الله يوسف عليه السلام استمروا على دين آبائهم دون تبشير لأهل مصر بوحدانية الإله.

ثم بدأ عصر جديد لبني إسرائيل في زمن نبي الله موسى عليه السلام، الذي استطاع أن ينقذ بني إسرائيل من فرعون، ثم بدأت مرحلة جديدة في التصور الإلهي للمعبود، وهنا لا بد أن نسأل: لماذا لم يتطرق العقل الإسرائيلي لماهية الذات الإلهية في مصر مع بداية دعوة نبي الله موسى عليه السلام؟!

والإجابة قد تكمن في عدم اهتمام بني إسرائيل بماهية الإله مع وجود حاكم مسلط عليهم لا يستطيعون الفَكاك منه، أو ربما اعتادوا على تسلُّطه فجعلوه إلهًا مجبرين من قوم فرعون، وبعد خروجهم ورؤيتهم للمعجزات عادوا إلى معرفة إله آبائهم، ثم ما لبثوا أن ذهبوا يتشبهون بما جاورهم من الوثنيين في أرض سيناء، ثم تنطعوا فطالبوا نبيهم بظهور الذات الإلهية بشكل مادي، ثم عوقبوا على ما فعلوا، ثم عادوا لِما نُهوا عنه، فيئس نبي الله موسى منهم.

ثم تأرجحت المعرفة لديهم بالذات الإلهية ما بين التجسيم والمجهول، ثم طالبوا بتسلط بشري متمثل في ملك يتخذوه آمرًا عليهم، وأخيرًا تأتي الفترة قبل النهائية للتصور الخاص ببني إسرائيل للذات الإلهية، وذلك مع انقسام المملكة، ودخولهم في السَّبي البابلي تحت مسمى بني يهودا، ثم عوقبوا بعدم مباشرة طقوسهم على يد نبوخذ نصر، ومع سقوط الدولة البابلية وتملك الدولة الفارسية بدأ اليهود في تجميع ما كتب من قبل، فقاموا بتدوينه، وكتابة ما سمي بالعهد القديم مجمعًا بعد أن كان رتقًا يضم أجزاء منه حفظت بشكل فردي، ومع التدوين بدأت مرحلة الدلالة اللفظية للذات الإلهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت