الصفحة 3 من 47

يعكس الأدب المقارن انفتاح الدراسات الأدبية، بمجملها، على النقاش المعرفي العام في مرحلته وزمنه، فهو يدخل في جدل التأثر، وأحيانًا التأثير، مع قضايا هذا النقاش المعرفي، ويتفاعل مع تياراته وأنساقه الفكرية؛ فعندما راجت النزعة التاريخانية، وشاعت مقولاتها العلمية في القرن التاسع عشر؛ بحيث طالت حقولًا معرفية مختلفة، وجدنا أثرها قد طال الدراسات الأدبية؛ في النقد الأدبي من خلال اعتماد النقد التاريخي، وفي نظرية الأدب التي حوت تصورًا ينظّر للنشاط الأدبي بالعودة إلى التفسير التاريخي لطبيعة الإبداع الأدبي، ناهيك عن الانصراف الواسع إلى تاريخ الأدب والكتابة فيه، وفي سياق التفاعل مع هيمنة النزعة العقلية التاريخانية، ظهرت بواكير الدراسات الأدبية التي أسست للأدب المقارن، ودفعت باتجاه تشكّله حقلًا من حقول الدراسات الأدبية الذي بنى مفهومه المشيّد لطبيعته على مبدأ تاريخية العلاقة بين عناصر المقارنة الأدبية، وصار الأدب المقارن إسهامًا في صياغة تاريخ الأدب القومي وفق المقارنين التاريخيين. والنقاش المعرفي الإنساني لا يستكين لحالة واحدة، ولا ينغلق، كما هو ثابت، على إضافة فكرية يحتفظ بها دائمًا، ويتوقف عندها أبدًا؛ فعرف القرن العشرون، وبالذات مع قرب منتصفه، اتجاهًا معرفيًا، أو لنقل إرادة لدى المفكرين والباحثين في مجالات المعرفة المختلفة لبناء نظريات حول أنساق المعرفة، ولصياغة أنظمة تحليل لظواهرها اعتمادًا على بنية هذه الظواهر نفسها، ومن خلال الرجوع إليها، والتوقف أمام كيفيات بنائها وتشكّلها بالتأمل وإنفاذ المساءلة العقلية.

ولم يكن الدرس الأدبي، ومنه الأدب المقارن، بمنأى عن هذا الخيار المعرفي المتأخرّ، إقرارًا بحتمية جدل المعارف الإنسانية، واستجابة لضرورات العلاقات المتبادلة؛ فكان أن أظهرت مرحلة جديدة ثانية في تاريخ الأدب المقارن، هي مرحلة الاتجاه النقدي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت