الصفحة 17 من 47

ومن أبلغ الأفكار التي ساقها فرانز فانون للتدليل على حتمية الاختلاف، ومن ثم ضرورة انتظار نتائجه أو تجسيداته، ما قدّمه وهو بصدد تناول دور العبادة في المستعمرات، يقول: (عندما أتحدث عن الديانة المسيحية، فإن شخصًا ليس له الحق ليبدي دهشته، فالكنيسة في المستعمرات كنيسة البيض، كنيسة الأجانب، فهي لا تدعو الإنسان المُستعمَر إلى طريق الله، بل إلى طريق الإنسان الأبيض، إلى طريق السيد، إلى طريق الظالم) ، فحتى عندما يتصل الأمر بالممارسات الروحية فإن التمايز لا ينفك يحتفظ بثباته.27

يقيم فرانز فانون رصده للواقع الثقافي في مجتمعات الإنسان الآخر على ربط دائم بين دوافع ومبررات الاستعمار الأساسية التي تناولناها سابقًا، والأوضاع التي ستنتجها هذه الدوافع والمبررات، وهي مبررات ليست تاريخية، كما عرفنا، لكن نتائجها تاريخية، فالأوضاع التي تتجسد فيها هذه النتائج هي أوضاع تاريخية مادية وزمنية. فدوافع الاستعمار كما يطرحها فرانز فانون هي متعاليات، تصل مستوى الدوافع القيمية، فالإنسان الآخر: قاصر تكوينيًا على مستوى الفطرة، ومن ثم، السلوك، ومجتمعه فضاء متخلف قيميًا وسلوكيًا بناء على مقياس القيم الذي أوجده الإنسان المتعالي، وقد صار التدخل في مجتمعات الإنسان الآخر مطلبًا يحمل ظاهرًا أخلاقيًا وإنسانيًا، ويدفعه مضمون الاحساس بالفارق والفجوة الوجودية التي تفصل بين إنسان استطاع تحقيق مستوى متقدم من الوجود المعنوي والمادي، وإنسان آخر تخلّف، بحكم صفات أصلية انتجت ظروفًا خارجية، عن الوصول أو الاقتراب من المستوى نفسه الذي ميّز مجتمع الإنسان الأبيض الشمالي.

يرتبط الواقع الثقافي في مجتمعات الإنسان الآخر ارتباطًا مباشرًا بالاستعمار، أو لنقل بطرح آخر، إن التحوّل الذي عاشه هذا الواقع يتصل بتدخل الإنسان الأبيض في مجتمع الإنسان المحلي؛ فقد صار هذا الاتصال مؤشرًا يقيس من خلاله الإنسان المحلي منجزه الثقافي في صوره المتعددة، ثم، محرّكًا لتأسيس تحوّل نوعي في أنماط ثقافته؛ بعد أن تشكلت حالة وعي أخرى لدى النخبة في مجتمع المحليين، واعتمادا على هذه الحالة، يقرأ فرانز فانون الواقع الثقافي في المجتمعات المحلية من خلال ثلاثة مستويات: مستوى ثقافة المُهيمن، ومستوى ثقافة النخب الثقافية المحلية، ومستوى الواقع الشعبي والمجتمعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت