الصفحة 16 من 47

بينهما والحد ترسمه المعسكرات، ومراكز الشرطة) 23، فعالم المُستعمر منفصل تمامًا عن عالم الإنسان المحلي، ومقطوع عنه، والواصل بينهما مؤسسات العنف التي أوجدها المحتل الأبيض؛ لتفصل عالمه بإنسانه وقيمه عن عالم الإنسان الآخر، (فالمحلي كائن مُحاط، والأبارتايد ليس إلا وسيلة تجزئة لعالم الاحتلال، فمن أول الأشياء التي على الإنساني المحلي تعلمها أن يلتزم مكانه، وألا يتعدّى الحدود ... ) 24؛ فيتشكل، بذلك، عالمان في فضاء الإنسان الآخر المحلي، وتنتقل التراتبية العرقية إلى مجاله الذي ينتمي إليه أصلًا، ويمارس الإنسان الأبيض الشمالي تفوقه، ويحسس بتميزه خارج فضائه، حيث الفضاء الأصلي للإنسان الآخر، ولا يمكن أن يُستغرب هذا السلوك، من القادم الوافد؛ لأن شعوره بالتفوق يبيح له الممارسات التي تعبر عنه في كل مكان، وربما في كل زمان أيضًا.

ينتقل التقسيم العرقي، وما أنتجه من تباين حضاري مادي، من تقسيم العالم إلى شمال، وجنوب، ليحلّ في الجنوب، في فضاء الإنسان الآخر؛ ولينفصل بدوره إلى عالمين: عالم يسكنه الإنسان الأبيض الشمالي، وتميزه كل الصفات المعنوية والمادية التي ميّزت بلاده الأم، وعالم استوطنه ويستوطنه الإنسان المحلي بخصائصه التي تناسب تكوينه، وتلائم هويته. (مدينة المحتل مدينة قوية، مبنية من الحجارة والحديد، وهي جيدة الإضاءة، معبّدة السبل، فيها تمتلئ صناديق القمامة بفضلات غير معروفة، لم تُر، وتُتوقع، ولا تقع الأعين أبدًا على أقدم المحتل، إلا في الشاطئ أحيانًا، ولا يقترب غيرهم بتاتًا منهم ... شوارع مدينتهم نظيفة، صقيلة، من دون حفر، ولا حصى ... مدينة المحتل يسكنها البيض والأجانب.) 25، أما مدينة أصحاب البلد، فيصورها فرانز فانون بأنها مدينة جائعة؛ تفتقد الخبز، واللحم، والأحذية، والفحم، والضوء، مدينة المُستعمَر مُقعية، ومنكفئة، إنها مدينة متعفنة، مدينة السود والعرب.26

مرة أخرى يضعنا فرانز فانون أمام فكرة أن الفرق العرقي فرق متعالٍ وغير تاريخي، وكأنه شرط أزلي، وعليه أن يتجسد ويتحيّن وفق مراحل التاريخ، واعتبارات الظروف والسياقات، ولكنه، في جوهره، ثابت ومتأصّل، فالاختلاف المادي البادي حضاريًا بين مدينتين متجاورتين في بلد واحد، وفي بيئة واحدة، هي بلد الإنسان الآخر المحلي، يعكس تمايزًا أصيلًا، ولا مناص من تسجيل تجلياته الدائمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت