فقط درجتها، ويتبدل مستواها. حتمية التفوق العرقي كما يشعر بها الإنسان الأبيض الشمالي تفضي، في رصد فرانز فانون، إلى حتمية أخرى، وهي حتمية الاستعمار، والتدخل في مجتمعات الإنسان الآخر؛ لذلك فإننا نرى فرانز فانون يرتب القضية وفق هذا المنطق السببي؛ ليجعل من الاستعمار التعبير المادي، أو التجسيد الواقعي لحالة التمايز والتفاضل العرقي. فالاستعمار ليس نزعة مصلحية، أو سلوكًا يعبّر عن نوايا نفعية؛ هدفها الاستحواذ على ما في بلاد الإنسان الآخر من إمكانات طبيعية، وتسخيرها لترقية الحياة المادية في الغرب، فهذا الفعل يمكن أن يُنظر إليه على أنه فعل مغالبه تاريخي، يتأثر بتحولات الواقع، ويستجيب لشروط القوة، وأسباب القدرة التي قد تتاح للغالب فيغنم، وقد يتجرد منها فيصير مغنمًا. استعمار بلاد الآخر، كما يراه فانون، هو ممارسة فوق تاريخية، مستمرة ومتجددة، وإن بأدوات وأشكال تختلف عبر الزمن؛ لأن الاستعمار يُسجل في سياق علاقات التمايز، ويحرّكه منطق التراتب البشري، فهو من ثم، سلوك عنصري بامتياز. (الإنسان المحلي منغلق لا يتأثر بالأخلاق، يفتقد القيم، بل هو نفي للقيم أساسا، بل يجب أن نعترف بأنه عدو للقيم، وبهذا المعنى، فهو يمثل السوء المطلق.) 22. هذه صورة الإنسان المختلف بعد أن أكتشفها الإنسان الأبيض الشمالي، وبعد أن أخضع أبعادها لمعايير تقييمه.
إن شيوع ألفاظ: الاستعمار، المُستعمِر، المُستعمَر، السياق الاستعماري، في كتاب (معذبو الأرض) لا يشي بأن فرانز فانون يقيم الصراع بين المُستعمِر والمُستعمَر على أساس مادي تاريخي، بل، نراه، كما أبنّا، يجعل من الاستعمار تجسيدًا ماديًا لحالة تفوق الإنسان الأبيض الشمالي، وترجمة واقعية تاريخية هذه المرة عن فوارق أصلية تفصل عرق هذا الإنسان عن الأعراق الأخرى؛ فالاستعمار فعل تحركه نزعة عنصرية، وهي التي تدفعه، وما يقع من تحصيل منافع مادية، مثل الانتفاع من الخيرات الطبيعية في البلاد المستعمرة يُعد استفادة مشروعة من إمكانات لن تجد استثمارها إلا بفضل عقل الإنسان الأبيض ومهاراته الذاتية، وسيجري تمكين الأفريقي أو العربي منها بعد أن يتصرف فيها الإنسان الأبيض.
وعندما يجمع الإنسان الأبيض والإنسان الآخر مكان واحد، وقد حلّ الإنسان الأبيض مُستعمرًا بلاد الإنسان الآخر، الجزائر، أو البلاد الأفريقية، فإن مبدأ التمايز والتفاضل مازال مستحكمًا، ولامجال، في رصد فانون، للتعايش، أو لشراكة إنسانية في المكان (الفضاء المحتل فضاء ممزق إلى قسمين، والخط