الصفحة 4 من 47

استجابة لتطور التفكير في الظاهرة الأدبية، وتفاعلًا مع جديد نتائج هذا التفكير من مناهج ومسارات نقدية، صار لزامًا على الأدب المقارن أن ينظر فيما أنجز من رؤى سابقة، وأن يُقيّم نوع التصور الذي تأسس عليه الأدب المقارن، وما قاد إليه من مفاهيم عامة أو تفصيلية، جرى إعمالها من المقارنين الروّاد بوحي وتوجيه من هذا التصور التأسيسي.

ظهر في مجال التفكير في الأدب اتجاهان نقديان ميّزا الدراسات الأدبية في القرن العشرين، وأحدثا، في الحقيقة، تحوّلا نوعيًا يرصده من يؤرخ للدراسات الأدبية في هذا القرن، وهما اتجاها: الدراسات الشكلانية في روسيا، والنقد الجديد في الولايات المتحدة الأمريكية، ومن واقع اهتمامهما ببنية العمل الأدبي، والاشتغال على الصفات الأدبية في النص الأدبي تأملًا وتبصرًا نقديًا، تقدّم النقد الأدبي في مجال التفكير في الأدب على حساب التأريخ الأدبي، وغلبت الدراسات التي تحصر فاعليتها في إطار النص الأدبي على غيرها من الدراسات التي انصرفت سابقًا إلى ما هو خارج النص، وإلى منحه تقديرًا مهمًا يعوّل عليه عند تقديم معرفة حول الأدب والنص الأدبي.

وبوحي من تطور الدراسات الأدبية في القرن العشرين، ظهر الاتجاه النقدي الذي كان (استجابة للمتغيرات الفكرية والمنهجية التي تطورت خلال النصف الأول من القرن العشرين) 1؛ فكان أن ظهر جيل من المقارنين الذين نشطوا جغرافيًا في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي عرفت مؤسساتها الأكاديمية والثقافية شيوع النقد الجديد (النصي) ؛ فاتجهوا إلى بناء نظام مفاهيمي جديد، ومختلف تمامًا عن السائد في الأدب المقارن؛ لذلك فإن بدايات مرحلة المقارنة النقدية في الأدب المقارن قد انبنت على نقد عنيف لأفكار المقارنين التاريخيين، واصرار على هدم التصور التاريخي فيه، والذي، كما نعرف، قد جاء انسجامًا مع شيوع التفكير التاريخي والوضعي في القرن التاسع عشر 2.

لقد وعى مقارنو الاتجاه النقدي ضرورة الانصراف عن المقارنات التاريخية الخارجية التي انحصرت (في دراسة آلية المصادر والتأثيرات وعلاقات الأسباب بالمسببات، والصدى والشهرة أو الاستقبال)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت