تمامًا عن واقع أبناء مجتمعه؛ فصار شخصية معطّلة، من جهة دوره المنتظر، يعاني انفصامًا أوجدته ثنائية: المرجع وكيفياته، والواقع المجتمعي الذي ينتمي إليه وانتظاراته.
وبذلك يرصد فرانز فانون مأزقًا تاريخيًا تعيشه النخب الثقافية في بلدان الجنوب التي اقتحمها الإنسان الأبيض الغربي، فهي بادية التميّز في وسطها لتوافرها على صفات تؤهلها لمنزلة خاصة في مجتمعها، ولكنها تدرك تماما أن دورا مهما وراء هذه الخصوصية يعود مباشرة إلى ثقافة المستعمِر التي حاكتها وتزوّدت بمنجزاتها.
وحفظا لصفتي الفرادة والتميز اللتين تصطبغ بهما شخصية المثقف، يحاول فانون طرح بديل مرجعي أمام نخب مجتمعات الجنوب، يعينها على تجاوز مأزق التماهي المطلق مع النموذج المرجعي الغربي، والاستغراق في حالة القطيعة مع مجتمعاتها؛ وذلك من خلال اعتماد نضال الأمة التي ينتمي إليها مثقف الجنوب مرجعا موازيا إن لم يكن بديلا. فصراع الشعب من أجل حريته، وحرصه على صيانة كرامته الإنسانية قد تجسدا في حرب التحرير ومواجهة المُستعمِر؛ طلبًا لتحقيق الذات تاريخيًا، ويضع هذا الموقف أمام المثقف إمكانية تميزٍ وفرادة تاريخيتين، تحوي أوجه فعلٍ مختلفة تطرح أمام المثقف: شاعرًا أو روائيًا أو مفكرًا ... فرص تكوين وعي مهمة، ومرجعًا حيويًا؛ يبنى عليه عند الإنجاز الثقافي، يقول:
(إن شرط وجود الثقافة يرتبط بالحرية الوطنية، وبنهضة الدولة) ، 34 وأن معركة التحرر (توفرّ أقصى الظروف لأجل التطوير والإبداع الثقافيين) . 35
بين الارتباط بالمحتلّ العنصري، وبين الانتماء للشعب وللمجتمع بوصفهما الحاضن الطبيعي الأصيل، يرصد فرانز فانون طبيعة تكوين النخب السياسية، وشخصيات الزعامات المحلية، وطبيعة أدائها. وقد لاحظنا أن ثنائية الارتهان والانتماء قد كانت حاضرة في حديثه عن المثقفين والنخب الثقافية في البلدان التي عانت التدخل العنصري، وقد كان الارتهان لثقافة المحتل العنصري مسلكًا واقعيًا وفعليًا جرى رصده من طرف فرانز فانون، وتقدير كيفياته، أمّا الانتماء للشعب، والنظر إليه بوصفه المصدر الأصيل والشرعي لتشكيل الوعي وتكوينه، فقد نزل منزلة الطموح في متابعة فانون لأداء هذه النخب المحلية.