والأمر ينسحب تمامًا على الزعامات والأحزاب المحلية في البلدان المُستعمَرة؛ إذ كان واقعها واقع ارتهان سواء في دول الشمال الأفريقي أو في أفريقيا السوداء، فهي مشبوهة، دائما، بمعايير فانون التحررية الوطنية، (فالاستعمار سيستخدم، لتحقيق غاياته، فئتين من المحليين، ومنهم، بداية، المتعاونون التقليديون: الزعامات، القادة، السحرة ... وبهبات وأثمان يدفعها فإن الاستعمار لا ينفك يستفيد من خدمات رجال الثقة هؤلاء) ،36 فالفاعلون على الأرض والقيادات المجتمعية مرتبطة مباشرة بالإدارة الاستعمارية العنصرية. وهذه الشخصيات التي عددها فرانز فانون، وجرى التعامل معها، وتسخير أدوارها لتكريس التدخل الاستعماري العنصري سابقة على هذا التدخل، وموجودة سلفًا، بحكم التكوين الإقطاعي وممارساته في المجتمعات البدائية، والجديد أن المُستعمِر قد أدخلها في فلكه، وسخّر تأثيرها في مجتمعها لمصلحته، مع إدراكه فسادها وسوء تاريخها، غالبا، في محيطها الاجتماعي، فحتى النخب، التي استقرّت في منزلة متقدمة في بنية المجتمعات المُستعمَرة صارت مطية للاستعمار، وسَهُلَ عليه التأثير عليها، وتوجيه أدائها لمصلحته، والمعنى الضمني لهذا الواقع، أنها لا تملك ممانعة ولا صلابة أمام أساليب الإنسان الأبيض الغربي، فإذا كانت النخب على هذه الحال، فكيف بعامة الشعب؟
وفي مرحلة لاحقة، وعندما يُصار إلى محاولة صياغة مشهد سياسي يشبه، أو لنقل يحاكي نموذج البناء السياسي الغربي، وذلك بعد أن تم تجاوز مرحلة الاضطراب والعنف، فإن الأحزاب السياسية في البلاد المحتلّة لا تعرف البناء والتكوين، ولا النظام الذي تعرفه الأحزاب السياسية في بلاد الغرب. الحزب السياسي في أفريقيا استمرار وامتداد لأنماط القيادة والتوجيه المحلي التقليدي، و (هكذا فإن الحزب الوطني يتصرف وكأنه حزب عرقي، فهو في الحقيقة قبيلة أخذت صفة الحزب، فهذا الحزب الذي يطرح نفسه طواعية على أنه وطني، والذي يؤكد الحديث باسم الشعب كله، فإنه، في الحقيقة، يدير، سرًا وأحيانًا علانية، ديكتاتورية عرقية، فنحن لم نعد أمام ديكتاتورية برجوازية، بل أمام ديكتاتورية أخرى قبلية، فمن قبيلة الزعيم يتم اختيار الوزراء، ومدراء المكاتب، والسفراء، والولاة، بل يتم اختيارهم، أحيانًا، من عائلته مباشرة) .37
فالزعامات القبلية التي تتعهد علاقة تبعية مباشرة مع المُستعمِر، وترتبط معه عضويا بفعل وسائل الترغيب، وربما الترهيب، قد جرى إدراجها في منظومة خدمة مصالحه، وفي ذلك تكريس لفارق التفوق