الأخرى غير الغربية، بل ربما هي مبررات تقبع وراء تحريك التدخل في هذه المجتمعات؛ لفرضها والدفع إلى تبنيها، في إطار مركزية قيم الإنسان الأبيض الغربي.
وبقى الوجه الآخر لتواطؤ الساسة المحليين، وجه يعكس حقيقة قدرة المُستعمِر على الهيمنة العقلية والنفسية على النخب السياسية في أفريقيا؛ فانفصمت عن الشعب، ولم تعد تحمل همومه، وتعيش معاناته؛ بل قادها ارتهانها المباشر للأجنبي إلى سلوك آخر يبدو أكثر ايغالًا في هذه الحالة؛ فيراها فرانز فانون وقد تواطأت مع المُستعمِر ضد المناضلين من أبناء الشعب، وصار الساسة المحليون ناقدين معارضين بأساليب مختلفة لنضال شعوبهم من أجل الحرية، ومبدين تعاطفًا مخجلًا مع المحتل (تكتفي غالبية الأحزاب المحلية، في أحسن الأحوال، بالتعبير والاعتذار عن الأعمال الوحشية التي تقع، فهذه الأحزاب لا تتبنى النضال الشعبي، بل يتجاوز الأمر ذلك، في دوائر مغلقة، إلى حدّ إدانة تلك الأفعال القوية التي تُوصف بالبشاعة في الصحافة والرأي العام في دولة الاحتلال) .40
يطمح فرانز فانون إلى أن تجد شعوب الجنوب، والمجتمعات المُستعمَرة أسلوبها الخاص الذي تدير به نظامها الاقتصادي، وتضبط من خلاله علاقات الإنتاج والاستهلاك، وكل الدورة الاقتصادية، والنظام المادي الذي يحتاجه كل مجتمع، (فالدول غير النامية التي استفادت من التنافس القوي الذي كان بين النظامين(الرأسمالي والشيوعي) لأجل ضمان نجاح نضالها من أجل التحرر الوطني، عليها، مع ذلك، رفض أن تكون في قلب هذا التنافس؛ إذ لا يجب على دول العالم الثالث أن تكتفي بحيازة هويتها اعتمادًا على قيم سبقتها، فهي، على النقيض من ذلك، مدعوة إلى بذل جهد لإظهار قيمها الخاصة، وكذلك مناهجها، وأسلوبها الذي يميزها).41
ولا يخفي أن هذه الدعوة التي يطلقها تظل دعوة طامح وساعٍ إلى ترقية حضور شعوب عالم الجنوب، وهي أقرب إلى الدعوة العاطفية منها إلى الدعوة الواقعية؛ ذلك أن فانون نفسه يعي أن الماكينة الاستعمارية الغربية لم تترك لهذه الشعوب فرصة أن تبادر إلى بناء نظام اقتصادي يخصها، ويعبر عن واقعها، وتنتجه ظروف الحياة حاضرًا ومستقبلًا، والاستعمار الغربي نفسه لن يترك فرصة لهذه الشعوب