لإنتاج نظام اقتصادي مستقل ضمانًا لمصالحه بعد الاستعمار وتحرر هذه الشعوب. ولضمان هيمنته؛ انتهج الاستعمار الغربي نهجين، نهج أعمله أثناء فترة الاستعمار ووجوده قوة محتلة لدول الجنوب: (بكل واقعية، فإن أوروبا لم تتضخم بهذا الشكل الكبير إلا بفضل الذهب، والمواد الأولية للبلدان المُستعمَرة ... فإلى وجهتها ذهبت، منذ قرون، النفائس، والبترول، والحرير، والقطن، وكذلك الأخشاب، والمنتجات المحلية الخاصة، فأوروبا، حقيقة، هي نتاج العالم الثالث، وكل وجوه الغنى التي تحيط بها مسروقة من شعوب الدول غير النامية ... ) ،42 فهناك إرادة استعمارية شاءت أن تحتفظ، دائمًا، بفرق حضاري ووجودي مهم بين عالم الشمال وعالم الجنوب، وما استغلال موارد الجنوب الطبيعية إلا تعبير عن هذه الإرادة وتكريس واقعي لها، بل ربما يتجاوز الأمر ذلك إلى محاولة خرق النظام الطبيعي، من جهة تحسيس شعوب الجنوب أن الغرب ونظامه الحضاري أولى بهذه الثروات الطبيعية؛ لأنه الأقدر على استثمارها، والاستفادة منها، وعلى هذه الشعوب أن تنتظر مرحلة صناعتها وإنتاجها، وتتلقاها بوصفها سوقًا لاستهلاكها.
يترك فرانز فانون الطموح ومراتب المشتهى، ليعود في مناسبة أخرى مؤكدًا في كتابه أنه إذا كان لابد من الاختيار بين النظامين الرأسمالي أو الشيوعي، فإن الثاني هو الأولى؛ لقربه من الشعوب، على الرغم من أن النظامين نتاج الحراك الفكري والاقتصادي الغربي، وهما من إنجازات حضارة الغرب، وظهرا في إطار ظروفه. (يعد الاستغلال الرأسمالي ونظامه القائم على الاحتكار والحيازة عدوا للبلدان النامية. في حين أن تبني نظام شيوعي، نظام ينصرف كليًا جهة مجموع الشعب، وقائم على مبدأ أن الإنسان هو القيمة الأكثر أهمية، سيسمح لنا بالمضي سريعًا، وأكثر انسجامًا. ومن المستحيل أن تستمر المهزلة الاجتماعية؛ حيث تمتلك قلة معظم القوى الاقتصادية والسياسية، مزدرية الغالبية الوطنية) .43
لا يُخفي فرانز فانون ميله اليساري في كتابه (معذبو الأرض) ، ولا يجهل هذا الميل من يتتبع سيرة الكاتب الذي يُعرف عنه تشديده على أن النظام الشيوعي يمثل نظامًا شعبيًا، يحمل في رؤيته للمجتمع ونظام العلاقات فيه قيمًا تلتصق بعموم الناس، وتحرص على تعميم المنفعة. وتتسق هذه الرؤية مع التصور التحرري النضالي الذي يطرحه فرانز فانون ويدافع عنه، ومن هنا تستطيع أن تجد تبريرًا لدفعه الشعوب