الصفحة 27 من 47

يُظهر فرانز فانون الطائفة البورجوازية المحلية في قطيعة تامة مع مجتمعها، ليس فقط من خلال تأخرها عن أداء وظيفتها التضامنية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وإنما في غياب الشعور بالوطن، وبالانتماء إليه، وبالمشاركة في تدعيم الاحساس بمحنته التاريخية، سواء بالمشاركة في الجهد التحرري إبان مرحلة النضال الوطني ضد المُستعمِر العنصري أو بالمشاركة الوجدانية التي تحتفظ لهذا المُستعمِر العنصري بصورة سلبية في الوعي الجمعي الوطني. فالطائفة البورجوازية المحلية لم يكن لها شيء من ذلك، بل تصرّفت في انفصال تام عنه، وقدّمت مصلحتها على كل شيء، وهي مصلحة صيغت في إطار النشاط الاستعماري العنصري الذي لا تجد غضاضة في التعاطي معه، (في الأراضي المُستعمرة، تستمد الطائفة البورجوازية قوتها أساسا، بعد الاستقلال، من اتفاقيات عقدتها مع القوة الاستعمارية القديمة ... ) ،50 إلى الحدّ الذي رأى فيه فرانز فانون أن هذه الطائفة تسعى إلى أن تحلّ محل المُستعمِر، وتقوم بدور الهيمنة لمصلحته الكلية ومصلحتها الجزئية.

ستختلف، حتمًا، معالجة قضية العنصرية بين الكاتب فرانز فانون والشاعر محمد الفيتوري. صحيح أن الطريقة التي لامس بها فانون أزمة الإنسان المختلف لم تخلُ من شعرية في كثير من مواضع كتابه، ومردّ ذلك لا إلى حساسية الكاتب الإنسانية تجاه الممارسة العنصرية العرقية، وما ينجم عنها من أفعال سالبة للكرامة الإنسانية، وأنما يمكن أن نعود بهذه الشفافية الشعرية إلى طبيعة المسألة العنصرية نفسها، فهي لا تقوم، عند التأمل المحايد فيها، على مبرر يدعمها سوى وهم التفوق المزعوم الذي يقوض إمكانية التعايش الإنساني في هذا الكون.

محمد الفيتوري شاعر من جهة تكوينه الذاتي الخاص، وشاعر من خلال وسائل تعبيره عن هذا التكوين؛ فأداته في مقاربة المسألة العنصرية هي الإبداع الشعري بخصوصياته البنائية التي نعرفها لهذا الخطاب، وهو كذلك يتعاطى مع هذه المسألة بروح الشاعر، وبحساسيته الذاتية التي تميزه من المفكر والمؤرخ؛ لذا فإننا سنرصد معالجة الشاعر لقضية العنصرية ومسألة التفوق العرقي وفق نظام الشاعرية: الوجداني، والنصي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت