الصفحة 26 من 47

الوضع الاقتصادي أيضًا، فالبرجوازية المحلية في الدول المُستعمَرة برجوازية هجينة، ونسخة مشوهة عن الأصل الغربي: مشوهة في نشأتها، وفي طبيعتها، وأدائها في مجتمعها، (البرجوازية الوطنية التي وصلت إلى السلطة بعد نهاية النظام الاستعماري هي برجوازية متخلفة، فهي لا تمتلك تقريبًا أية قوة اقتصادية، إذ تفتقد أية علاقة مع البرجوازية الغربية التي كان من المفترض أن تحل محلها) 46؛ لأنها أي البرجوازية المحلية، ستكتفي (بدور المتنفّع، وبوظيفة الرابح التافه. ويرمز ضيق الرؤيا هذا، وغياب الطموح إلى عجزها عن النهوض بدورها التاريخي كطبقة بورجوازية) .47 وهكذا يضع فرانز فانون الطائفة البورجوازية المحلية في موضع المقارنة مع الأصل، البورجوازية الغربية. فهي نسخة عن النموذج الأصلي المحتفظ دومًا بدور المركز، والقادر أيضًا على إنتاج النماذج منه.

فرانز فانون، على ما نعرف، لا يحتفظ بتقدير إيجابي للطبقة البورجوازية، ولا بدورها؛ لارتباطها بالرأسمالية التي ينفر منها فانون المعروف بميوله اليسارية، ولكنه في موضع المقارنة بين البورجوازيتين الغربية والجنوبية، إن صح التوصيف، يبرز للبورجوازية الغربية صفات إيجابية تجعل منها طبقة حيوية في مجتمعها، وفاعلة في وسطها، وهو يتحدث عنها وهي الأصل، أي البورجوازية الحقيقية كما أوجدتها ظروف الواقع وتحوّلات الأبنية الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع الغربي. يقول فانون في معرض مقارنته: (إن الجانب الحيوي والريادي، وكذلك بعد إبداع واكتشاف العالم غائب بكل أسف في كل بورجوازية محلية) .48

ودلالة على ارتهانها للمنفعة فقط، وحرصها على تحصيل الربح، لا تقيم البورجوازية المحلية وزنًا لأي انتماء للوطن، ولا تظهر حرصًا على المشاركة في تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي فيه، (ترفض البورجوازية المحلية الاستثمار في أرض الوطن، وتتصرف مع الدولة التي تحميها، وتمدها بأسباب الاستمرار بنكران واضح لا يجب إغفاله) 49 كما أنها ترتبط مع المُستعمِر العنصري برباط قوي، فهي تستمد قوتها من علاقتها به؛ مستفيدة من أنماط جديدة من التعامل المصلحي يؤمن لها أسباب الاستمرار في تغدية نفسها بمعزل عن مجتمعها، وهي خدمة لا يقدمها المُستعمِر العنصري مجانا بطبيعة الحال، فهو يعي تمامًا حجم الفائدة السياسية والاقتصادية وكذلك الثقافية التي يمكن تحصيلها من جراء تقوية نفوذ هذه الطائفة في مجتمعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت