الصفحة 6 من 47

يعود مقارنو الاتجاه النقدي بالأدب المقارن إلى دائرة الدراسات الأدبية النصية، وقد كان رائد هذا الاتجاه النقدي رينيه ويليك مركّزًا على مبدأ أن الوفاء لطبيعة الأدب الحقيقية لن يتأتى إلا من خلال ترك الاهتمام (بالمشكلات الخارجية كالمصادر والتأثيرات أو الشهرة والسمعة) 6، والتوجه إلى نوع جديد من المقارنات ينصرف إلى تحليل العمل الفني والحكم عليه.7 ومع هذه الدعوة التي صدرت من ويليك إلى اكساب الدراسات المقارنة بعدًا آخر، يختلف عن التصور السابق الذي تأسس عليه الأدب المقارن في بداياته، بدأ يتشكل تصور جديد يقدّم الأدب المقارن بطبيعة جديدة، تقوم على دراسة النصوص المراد مقارنتها وتحليلها في ذاتها، واعتمادًا على بنياتها، دونما اكتراث بالظروف الخارجية التاريخية التي تحيط بهذه النصوص؛ وبذلك، يضمن التحليل النقدي المقارن أن يلقي (الضوء على المظاهر الجمالية والشكلية لصنعه الأدب وعلى أساليبه وبنائه) .8

وكما تقدم، فالمقارنات التاريخية تهتم بالبحث في المصادر، وعلاقات التأثير؛ خدمة لتاريخ الأدب، في حين أن المقارنات النقدية تصل بين النصوص الأدبية من خلال تحليلها فنيًا، والتعليق على تكوينها البنائي من منظور جمالي؛ فهي تضيف كثيرًا لنقد الأدب وتذوقه، وتعرّف القراء والمهتمين بالآداب الإنسانية بطرائق وكيفيات التجسيد الفني الجمالي للأفكار والقيم التي جاءت في نصوص أدبية مختلفة اللغات والمرجعيات.

إن مطلب البحث عن الفني في النصوص الأدبية، كما شدّد عليه كل من رينيه ويليك وهاري لفن، يتيح مجالًا رحبًا لإعمال مقارنات إجرائية تحصر نشاطها في النصوص الأدبية، مستفيدة من مناهج نقد الأدب النصية؛ ولتتهيأ أمامها إمكانات مهمة لاكتشاف هذه النصوص التي انتجت في سياقات حضارية، وبدافع تجارب إنسانية مختلفة، وجاءت حاوية لهموم وجودية خاصة، وتوظّف، في الوقت نفسه، وسائل وأدوات فنية بنائية تهيأت للأدباء في إطار خصوصياتهم الحضارية والإنسانية.

وعند إجراء المقارنات النقدية على النصوص الأدبية موضوع التحليل، تتكشّف سبل كثيرة حضارية وفنية، حضارية تتصل بمجمل المكوّنات اللغوية والبلاغية والفنية والأنثربولوجية التي تجد طريقًا لإظهارها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت