الصفحة 5 من 47

فدراسة التأثير، عند هؤلاء المقارنين، وبالذات رينيه ويليك ما هي إلا رصد للجوانب الخارجية، وابتعاد عن أي فهم حقيقي لطبيعة الأدب نفسه 4.

لم يعد ممكنا، في ظل هذا التطور الذي سجّلته الدراسات الأدبية المهتمة بأدبية الأدب، أن ينفرد الاتجاه التاريخي بالأدب المقارن، وصار ظهور الاتجاه النقدي فيه مسلكًا طبيعيًا يطوّر الدرس المقارن، ويغذيه بمقارنات فعّالة وجادة تحتفظ له بأهميته المعرفية، وقدرته على الإضافة والخلق؛ مجاراة لتطور الدراسات الأدبية، وأيضًا فإنه يفيد هذه الدراسات من خلال مقارنات تبحث في القيم الفنية والجمالية التي جاءت في نصوص أدبية مختلفة اللغات.

لقد كان الاتجاه النقدي أشبه بحركة تمرد في الأدب المقارن، يريد دعاته إبطال تصور مستحكم في الدراسات المقارنة، يستمد شرعيته من كونه قد لازم ظهور هذا الحقل أساسًا، وصاحب نشأته؛ فعسيرة، من ثم، محاولة هدمه، وقد استقرّ في المؤسسات البحثية أكثر من قرن كامل، شهد آلاف الدراسات التي أطّرها التصور التاريخي، فعكفت دائمًا على رصد علاقات التأثر والتأثر بين النصوص والآداب والعناصر موضوع المقارنة.

ولعل هذا ما يفسّر، على الأقل في جزء منه، حدّة نقد المقارن الأمريكي رينيه ويليك لأفكار الاتجاه التاريخي، وسبيل المقارنات التاريخية، (والحق أن ويليك لم يكن يطالب بأكثر من إعادة توجيه شامل للدراسات المقارنة، منتقدًا الطبيعة المطلقة لمناهج فان تيجم، وجان ماري كاريه، وبالدنسبرجر في دراسة الأدب المقارن، وكذا سيطرة بقايا القرن التاسع عشر عليها بكل شحناته الوضعية العلموية، والتاريخية النسبية) 5، ليرفع مقارنو الاتجاه النقدي عنوانًا عريضًا لتصورهم يقوم على مقارنة الآداب انطلاقًا من نظامها البنائي الأدبي، ومن دراسة وتحليل العناصر الفنية لهذا النظام التي ميّزت كل موضوع من موضوعات المقارنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت