يتعرّفون إلا من خلال الإنسان الأبيض 20؛ ويختبرون وجودهم: ذاتًا، وسلوكًا، وقدرة إنجاز بالعودة إلى صفات النموذج الذي حازه الإنسان الأبيض.
الاحتلال فرصة للإنسان الآخر المختلف لصياغة هويته، وبناء معرفة حول طبيعته وحقيقتها، وإقامة إدراكٍ حول حضوره، كل ذلك من خلال تقييم تناظري يصل بين النموذج والموجود محليًا، ولو لم يكن الاحتلال والاتصال بالأبيض القادم من الشمال لما كان للإنسان الآخر المختلف أن يكوّن معرفة عن ذاته، تمكنه، من خلال نخبه، أن يجد منزلته الملائمة في ترتيب الأعراق البشرية.
بعد أن يصير الاحتلال واقعًا، ويكون اللقاء حاصلًا بين طرفين؛ أحدهما يحركه دافع تبشيري رسولي بضرورة نشر قيم حضارة الإنسان الأبيض الشمالي، وآخر عليه أن يستجيب ويتفاعل مع هذه المهمة الحضارية؛ نرصد بعدا آخر ينتجه فعل الاحتلال، إنه بعد ديمومة الاختلاف واستمراريته. فالحرص على الاحتلال من طرف المحتل، والقابلية له أو عدم القابلية السريعة لا تخفيان الواقع المبدئي والأساس، وهو ملازمة صفة الاختلاف والتمايز حتى في الفضاء المكاني الواحد الجامع للطرفين؛ وحتى مع شعور المحتل المتفوق بفائدة حضوره في هذا الفضاء، والنفع الذي يصاحبه، باعتبار حمله لمنجزات تفوقه، وما يقابل ذلك مما يحمله (المحلي) الآخر من شعور بأولوية الحق بالمكان، وبأصالة الانتماء إلى البيئة التي جمعت بينهما، فمع كل هذه الاعتبارات فإن التعايش لن يتم، وإن الاختلاف سيحتفظ بثباته، وكونه حقيقة متجذرة في أصل الأشياء (في المستعمرات، نجد أن الأجنبي القادم من مكان آخر قد فرض نفسه بمساعدة مدافعة وآلاته، وعلى الرغم من حالة الترويض الناجحة، وحالة التملك، فالمحتل يظل دائمًا أجنبيًا ... فالفئة الحاكمة هي، أصلًا، التي أتت من مكان آخر، وهي التي لا تشبه المحليين(الآخرين ) ) .21
لم يُغير الاحتلال في أصل الأشياء، ولم يحرّك الفكرة الأبدية عن ثباتها، فالاختلاف بين الإنسانين حقيقة مطلقة، وليست تاريخية، ومبدأ متعالٍ وليس مقولة نقدية.
يصير الاستعمار نتيجة منتظرة أمام شعور الإنسان الأبيض بالتفوق، وهو تفوق، كما أسلفنا، أصيل ومبدئي، وليس حالة تاريخية وطارئة، وبالتالي فإن السلوكيات والممارسات الناجمة عنه ستستمر، وتتغير