وقد أنتج لقاء هذه المستويات الثلاثة إمكانية أن يتابع فرانز فانون قضيتين مركزيتين عن الفاعلية الثقافية، وهما: مرجعية المثقف، ودور المثقف في المجتمعات المحلية.
بين هيمنة المنجز الثقافي الغربي وواقع شعوب الدول المحتلّة يتموقع المثقف العربي أو الأفريقي، وأمام واقع العلاقة بين الأركان الثلاثة السابقة يقدّر فرانز فانون المسألة بمنظورين مختلفين تمامًا، فهو من جهة يدرك أن النخب المثقفة في المجتمعات المحلية ترتبط في نشأتها بالمرجعية الغربية، وأن صورة المثقف بمعناها المضبوط القابل للمعاينة الحضارية لم تتشكل إلا بعد التدخل الحضاري الغربي، ومن جهة أخرى، لا يستطيع فانون إبعاد فكرة أن أي دور للمثقف في المجتمعات المحلية لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مجتمعه وشعبه الذي يرتبط معه برباط العرق والمشترك التاريخي.
النخبة الثقافية في المجتمعات المحلية مفهوم حديث على هذه المجتمعات التي عرفت تميز الأفراد والشخصيات في مجالات وأوضاع مختلفة، رجل الدين، الزعيم القبلي، الشاعر الشعبي، والشخصية الفلكلورية ... ولكنها لم تعرف الجماعات الثقافية التي تأخذ أوضاعًا متميزة ومؤثرة في مجتمعاتها؛ اعتمادًا على رؤى وتوجهات فكرية مشتركة؛ لأن فكرة المجموعة الثقافية التي تتشكلّ ضمن تيار معين، وتمارس دورها التاريخي ضمن حدوده، لم تتشكل إلا بعد معايشة التدخل الحضاري والثقافي الغربي.
وما لهذه النخب، في المجتمعات المحلية المحتلّة، من خصوصية لم تتأت إلا بفعل علاقتها بالمرجعية الحضارية والثقافية الغربية، وهذا طبيعي قياسًا على قراءتنا لرصد فرانز فانون للعلاقة بين الشمال والجنوب، فالغرب المتفوّق يطرح عند تدخله في مجتمعات الجنوب المتأخرة نموذجه الشامل الذي يحوي، من بين أبعاد أخرى، البعد الثقافي في تجسيداته المتعددة.
(اعتمادًا على خطابها الداخلي النرجسي، وبوساطة أساتذتها الجامعيين، كرّست بعمق البرجوازية الاستعمارية في ذهن المُستَعمَر أن الماهيات تظل أبدية برغم أخطاء الإنسان، وأن هذه الماهيات الغربية بطبعها يجب أن تشيع، وعلى المُستعمَر أن يقبل تماسك هذه الأفكار التي تجد، في غياب عقله، استمرارا لهذا الأساس اللاتيني الروماني.) .28