الصفحة 5 من 18

الثالث: حاجة المدعو وقربه من الخير، وقد عاتب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم لما أعرض عن دعوة الأعمى وأقبل على دعوة عظماء قريش؛ كما في أول سورة عبس.

المرحلة الثانية: تألف المدعو وإيجاد علاقة المحبة بينه وبين الطيبين:

وفي هذه المرحلة يسعى الداعية لتقوية العلاقة بينه وبين المدعو؛ ليكون أقرب إلى قلبه، وأحب إلى نفسه من سائر رفقائه السيئين؛ حتى يسهل بعد ذلك أن يصارحه بهمومه وأحواله، وأن يقتنع بتوجيهاته ونصائحه، وأن يصدق في اجتهاده لتغيير حاله، فالمحب الصادق مطيع لمن أحبه ووده، وهذه المرحلة تعرف عند ذوي المهارات بمهارة كسب الناس والتأثير فيهم، وعليه أن يحرص عليها ولا يستعجل في تخطيها؛ حتى تتمكن العلاقة مع المدعو بالشكل اللازم للتصحيح، ومن وسائل ذلك:

-مخالطة المدعو بزيارته، ودعوته إلى بيت الداعية وفي مناسباته، والسفر والرحلة معه، ويحرص على تنويع مجالسه وأحاديثه حتى لا يمله ويضجره، وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يخالط الصحابة رضي الله عنهم ويسعى في إدخال البشر والسرور إليهم، قال أنس بن مالك: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير:"يا أبا عمير ما فعل النغير"، متفق عليه.

-أن يتعامل معه بكريم الأخلاق وجميل الآداب؛ فيحرص في التعامل معه أن يتحلى بأدب الإسلام في كل موضع؛ فيخالقه بآداب المجالس، وآداب الحديث، وآداب الزيارة، ويتعامل معه بأخلاق الأخوة الإسلامية، ويحرص على إظهار الاحتفاء به وخصوصية إكرامه بدون أن يحرجه، يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ثلاث تثبت لك الود في قلب أخيك: أن تبدأه بالسلام، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب الأسماء إليه، ومنها أيضًا التصريح له بأنه ما يتخلق معه بهذه الأخلاق ولا يحبه إلا لله، فعن أنس صلى الله عليه وسلم أن رجلًا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فمر به رجل، فقال: يا رسول الله إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"أعلمته"، قال: لا، قال:"أعلمه"، قال: فلحقه، فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له، رواه أبو داود وحسنه الألباني، ومن جميل ذلك أن يكثر له من التبسم، قال حبيب بن أبي ثابت رحمه الله: من حسن خلق الرجل أن يحدث صاحبه وهو يتبسم، ويقول صاحب كتاب كيف تكسب الأصدقاء/73 عن أثر الابتسامة: (إنها لا تستغرق أكثر من لمح البصر، ولكن ذكراها تبقى إلى آخر العمر .. وهي التوقيع على ميثاق المحبة بين الأصدقاء) ، وهكذا ليحرص الداعية على أجمل أخلاق الإسلام في تعامله مع المدعو والذي لا يجد إلا القناعة السريعة بأن هذا أجمل وأكرم ممن يعرف، قال أبو حاتم رحمه الله: حسن الخلق بذر اكتساب المحبة.

-أن يسعى في الإحسان له ما استطاع بماله أو جاهه أو خدمته أو نصيحته وبحسب حاجة المدعو، فبالإحسان إلى الناس نكسب محبتهم وتسهل دعوتهم، فليس الداعية إلا جوادًا كريمًا بوقته وماله ونصيحته، وهذا هو ابن المبارك رحمه الله يعرف لنا حسن الخلق بقوله: بسط الوجه وبذل المعروف، ويدخل في ذلك الصدقة والهدية التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم:"تهادوا تحابوا"، وهو حديث حسن.

-الاجتهاد في القرب منه والاستماع إليه؛ فيطمئن المدعو للداعية ويسعى في تنفيس همه إليه، وعرض شكواه عليه، ويروي أنس رضي الله عنه لنا من أخبار نبينا صلى الله عليه وسلم أن امرأة كانت في عقلها شيء، فقالت: يا رسول الله إني لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها، رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت