الذي ادعى الربوبية وقال: (أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى) ، سورة النازعات (24) ، ويقول لهما: (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) ، سورة طه (44) ، وليتق الله من تنفيره من الخير، وهو ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم حتى فيما يتعلق بصلاة الجماعة؛ حتى لا تكون سببًا لنفرة الناس من الطاعة، فعن أبي مسعود رضي الله عنه كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يا أيها الناس: إن منكم منفرين؛ فمن أمّ الناس فليتجوز؛ فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة".
-وثانيها: أن يغلب عليه أسلوب التبشير وتقوية عزم المدعو، فهذا منهج الدعاة الذي رسمه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:"يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا".
-وثالثها: الصبر عليه وعلى خطئه، ولعل الله أراد بحكمته أن يؤخر الهداية؛ ليبتلي صدق الداعية والمدعو، وليضع الداعية نصب عينيه قول الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) ، سورة القصص (56) ، ولا يستعجل النتائج، يقول أبو الدرداء رضي الله عنه: إذا تغير أخوك وحال عما كان عليه؛ فلا تدعه لأجل ذلك، فإن أخاك يعوج مرة ويستقيم أخرى.
-كما يحتاج الداعية في هذه المرحلة إلى الخبرة في التعامل مع النفسيات وأكبر قدر من معرفة الحلول المناسبة، كما يحتاج إلى خبرة في مخاطبة العقول والوصول إلى القلوب والتأثير فيها، ومن أهم ما يحتاج إليه في هذه المرحلة أن يتنبه لأساليب الشيطان لتزيين المعصية للعبد: من سعي في التيئيس والتسويف والتزيين وتهوين المعاصي وتخويف العاصي ووعوده بالأماني الكاذبة، بل تيسير بعض ما تعسر عليه فيما مضى ليضله ويغويه، والداعية يقف على ملامح هذه السبل بالبيان والتحذير.
وهي مرحلة من أهم المراحل بعد التوبة؛ لأن المقصود من الدعوة ليس مجرد توبة المدعو، بل استقامته على طاعة الله تعالى، والنجاح في هذه المرحلة يعد نجاحًا حقيقيًا في دعوة الداعي.
ومن الأمور التي يُعتنى بها في هذه المرحلة:
-البحث للمدعو عن الرفقة الصالحة المناسبة؛ كحلقة قرآن، أو طلبة درس علمي، أو مجموعة عمل دعوي، بما يناسب حاجة المدعو واهتماماته وسنه ومدى قدرته على الاستمرار معهم، وفي المتفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنه في الرجل الذي قتل مائة نفس، قال له العالم العارف:"ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا؛ فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء"، متفق عليه، ويحتاج الداعية في هذه المرحلة إلى الخبرة في اكتشاف طاقات المدعو وحسن تنميتها والاستفادة منها، ويعينه على هذا أن يشركه في بعض الأعمال العلمية أو الدعوية أو غيرها ويشرف عليه.
-ربط المدعو بالعبادة، فلا يجهد الداعية نفسه بربط المدعو به؛ ففي ذلك بذل لجهد عظيم مع ضعف الاستقامة الحاصلة، بل يحرص كل الحرص على أن يصل المدعو بالله؛ ليجد أنسه في طاعة الله، ويجد سعادته في مناجاة الله، فيشجعه على قيام الليل، والمسابقة إلى الصلوات، والإكثار من صلاة وصدقة وصيام النافلة، والتعبد لله تعالى بكثرة ذكره، والتائب في هذه الفترة يكون عنده الاستعداد النفسي التام للعمل وتعويض ما فاته فلتستغل هذه العزيمة في تغذيته بحب العبادة والأنس بها.