إن المتتبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد ثمة ملامح بارزة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته للتائبين من الذنوب والعائدين إلى الله، ولعلنا نوجز هذا المنهج في النقاط التالية:
أولًا: تذكيرهم بسعة رحمة الله:
ويظهر هذا المنهج النبوي من خلال ما يلي:
أ بيانه لعظيم رحمة الله ومحبته لتوبة عباده:
-فعن صفوان بن عسال رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:"المرء مع من أحب يوم القيامة"، فما زال يحدثنا حتى ذكر بابًا من قبل المغرب مسيرة سبعين عامًا عرضه، أو يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين عامًا، قال سفيان: قبل الشام خلقه الله يوم خلق السماوات والأرض مفتوحًا- يعني للتوبة- لا يغلق حتى تطلع الشمس منه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ب الحث على عدم تيئيسهم من رحمة الله تعالى:
-روى أحمد وأبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كان رجلان في بني إسرائيل متواخيان، وكان أحدهما مذنبًا والآخر مجتهدًا في العبادة، وكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي أبعثت علي رقيبًا، فقال: والله لا يغفر الله لك أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض روحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا أو كنت على ما في يدي قادرًا، وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار، قال أبو هريرة رضي الله عنه: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخرته."
-وعن أبي طويل شطب الممدود رضي الله عنه، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت من عمل الذنوب كلِها، ولم يترك منها شيئًا، وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل لذلك من توبة؟ قال:"فهل أسلمت؟"قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال:"تفعل الخيرات وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيراتٌ كلُهن"، قال: وغدراتي وفجراتي، قال:"نعم"، قال: الله أكبر، فما زال يكبر حتى توارى، رواه البزار والطبراني.
ج- إخبارهم بقصص التائبين الذين قبلهم الله بواسع رحمته:
-وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في قصة توبة قاتل المائة نفس، وفي آخره:"فأدركه الموت، فنأى بصدره نحوها- أي القرية الصالحة- فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما؛ فوجداه إلى هذه أقرب بشبر؛ فغفر له"، متفق عليه.