ابتدأ الشيخ رحمه الله، دعوته لقومه في بلدة (حريملاء) وبين لهم أن لا يدعى إلا الله، ولا يذبح ولا ينذر إلا له، وأن عقيدتهم في تلك القبور والأحجار والأشجار، من الاستغاثة بها، وصرف النذور إليها، واعتقاد النفع والضر منها، ضلال وزور، وبأنهم في حالة لا ترضي، فلابد من نبذ ذلك.
وعزز كلامه بآي من كتاب الله المجيد وأقوال الرسول وأفعاله، وسيرة أصحابه. فوقع بينه وبين الناس نزاع وجدال، حتى مع والده العالم الجليل، لأنه كان مغترًا بأقاويل المقلدين السالكين تلك الأفعال المنكرة في قوالب حب الصالحين.
فاستمر الشيخ يجاهد بلسانه وقلمه وإرشاده. وتبعه أُناس من أهل تلك البلدة، حتى انتقل أبوه عبد الوهاب إلى جوار رب الأرباب سنة (1153 هـ) .
والظاهر أن والده اقتنع بأقوال ابنه ومبادئه، كما اقتنع أخوه سليمان بعدما وقع بينه وبينه نزاع وردود.
وبعد وفاة والده، جاهر قومه بالدعوة والإنكار على عقائدهم الضالة. ودعا إلى متابعة الرسول في الأقوال والأفعال. وكان في تلك البلدة قبيلتان، وكل يدعي الزعامة، وليس هناك من يحكم الجميع، ويأخذ حق الضعيف، ويردع السفيه. وكان لإحدى القبيلتين، عبيد يأتون بكل منكر وفساد، ولا يحجمون عن التعدِّي على العباد. فصمم الشيخ على منعهم وردعهم. ولما أحسَّ أولئك الأرقاء بما صمم عليه الشيخ، عزموا أن يفتكوا به خفية، فتسوروا عليه من وراء الجدار، فشعر بهم بعض الناس، فصاحوا بهم وهربوا.
عندها غادر الشيخ (حريملاء) إلى (العيينة) مسقط رأسه، وموطن آبائه، وحاكمها إذ ذاك عثمان بن حمد بن معمر. فتلقاه بكل إجلال وإكرام، وبين الشيخ له دعوته الإصلاحية المباركة، القائمة على دعائم الكتاب والسنة المطهرة وشرح له معني التوحيد، وأن أعمال الناس اليوم وعقائدهم منافية للتوحيد. وتلا عليه الآيات والأحاديث النبوية، ورجا له من الله - إن قام بنصر «لا إله إلا الله» - أن ينصره الله ويعلي كلمته، وتكون له السيادة والزعامة على نجد وغيرها، وله السعادة الأبدية إن شاء الله.
فقبل عثمان، ورجب بما قال الشيخ، فعالن الشيخ بالدعوة إلى الله، ولإفراد العبادة لله تعالى، والتمسك بسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وقطع الشيخ الأشجار المعظمة هناك، وهدم قبة زيد بن الخطاب، بمساعدة عثمان الأمير. وأقام الحد على امرأة اعترفت بالزنا مرارًا، بعد ما تأكد من صحة عقلها وكمال حواسها.