والقسم الثاني من الزِّينة: ما يمكن إخفاؤها؛ فهذه الزِّينة تؤمَر المرأة بإخفائها، ومعلوم أن الزينة التي على الوجه والكفين مما يمكن إخفاؤها، فمن يقول: إنَّها زينة ظاهرة، يكون قد أخطأ في التقسيم الواضح من الآية.
أما ما يُنسب إلى ابن عباس وعائشة بأنهم فسَّروا الزينةَ الظاهرة بالوجه والكفين، فغير صحيح، والأسانيد كلها ضعيفة [1] ، إلا إسنادًا واحدًا لابن عباس، وفيه أنه فسَّر الزينة:"بالكحل والخاتم"، وليس كما يدَّعي البعض:"بالوجه والكفين"، وبين القولين فرق؛ فالكحل موضعه العين فقط، والخاتم موضعه الإصبع فقط؛ وهذا ممَّا يَظهر عند تناول شيء مثلًا، لا مما تظهره المرأة، ولقد شرح ابن عباس معنى التجلبُب للمرأة - وسيأتي - بما يوافق كلام ابن مسعود، فلا يكون كلامه رضي الله عنه متناقضًا.
وأمَّا قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} ، فقد قال الحافظ في الفتح:" (فاختمَرْن بها) ؛ أي: غطَّين وجوههنَّ، وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنُّع، قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارَها من ورائها وتكشف ما قدامها، فأُمرن بالاستتار"؛ اهـ.
وقد ذكرتُ لك ما قاله ابن كثير في تفسير الآية.
وقال ابن عطية: (ويظهر لي في محكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بألَّا تبدي وأن تجتهد في الإخفاء لكلِّ ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كل ما غَلَبَها فظهر بحكمِ ضرورةِ حركةٍ فيما لا بد منه ونحو ذلك) .
وقال البيضاوي:" {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} ؛ كالحليِّ والثياب والأصباغ، فضلًا عن مواضعها لمن لا يحل أن تبدي له، {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} عند مزاولة الأشياء؛ كالثياب والخاتم، فإنَّ في سترها حرجًا".
قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 60] .
قال شيخ المفسِّرين الإمام الطبري رحمه الله: (فليس عليهنَّ حرج ولا إثم أن يضعن ثيابهنَّ؛ يعني جلابيبهنَّ، وهي القناع الذي يكون فوق الخمار، والرداء الذي يكون فوق الثِّياب، لا حرج عليهنَّ أن يضعن ذلك عند المحارم من الرجال، وغير المحارم من الغرباء، غير متبرجات بزينة) .
ثمَّ أورد ذلك عن ابن عباس والضحَّاك ومجاهد وابن زيد والشعبي.
(1) وقد تكلمت على علَّتها في كتابي الآخر"الشهب والحراب على من حرَّم النقاب".