الصفحة 8 من 26

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59] .

فهذه الآية دليلٌ قاطع على أن عموم النِّساء يشتركن في الحكم (إدناء الجلباب) مع زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

وبداهة؛ فإنَّ هذه الآية متأخرة عن الآية السابقة: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} ، فلا شك إذًا أن الآية المتأخرة تؤكِّد [1] حكم الآية المتقدمة من وجوب الاستتار الكامل (بما فيه الوجه) ؛ لأن الخطاب يشمل فيها زوجات النَّبي صلى الله عليه وسلم، والقائلون بأنَّ الآية السابقة خاصَّة بأمهات المؤمنين، لا يستطيعون ادِّعاء الخصوصية هنا مع هذه الآية.

وإليك أقوال بعض المفسرين التي تشرح معنى إدناء الجلباب [2] :

أ. قال ابن جرير الطبري:"لا تتشبهن بالإماء في لباسهنَّ، إذا هنَّ خرجن من بيوتهنَّ فكشفن شعورهن ووجوههن ... إلخ".

ب. قال الجصاص: في"أحكام القرآن": (في هذه الآية دلالة على أن المرأة الشابَّة مأمورة بستر وجهها عن الأجنبيِّين) .

ج. قال الزمخشري:"ومعنى {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} : يرخينها عليهن، ويغطين بها وجههن وأعطافهن".

وقال البيضاوي الشافعي في"أنوار التنزيل": (يغطين وجوههن وأبدانهنَّ بملاحفهن) .

وقال النسفي: (يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن) .

وقال أبو حيان الأندلسي في كتابه"البحر المحيط": (الظاهر أن قوله: {نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ} ، يشمل الحرائرَ والإماء، والفتنة بالإماء أكثر؛ لكثرة تصرفهنَّ بخلاف الحرائر، فيحتاج إخراجهنَّ من عموم النساء إلى دليل واضح، و {عَلَيْهِنَّ} ، على وجوههنَّ؛ لأن الذي كان يبدو منهنَّ في الجاهلية هو الوجه ... ) .

(1) ويمكن أن يقال: إنها تؤسس حكمًا يتعلق بلباس المرأة عند خروجها، وتكون الآية السابقة خاصة باستتار المرأة عن الأجانب حال سؤالهم المتاع منها في البيوت.

(2) انظر تفاسيرهم: الطبري (22/ 45) ، أحكام القرآن؛ للجصاص (3/ 271) القرطبي (14/ 243) ، أنوار التنزيل؛ للبيضاوي (2/ 28) ، تفسير النسفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت