فهو علة لما تقدم من جواز النسخ، وقد ألفتنا إلى هذا المعنى صاحب الظلال بقوله (وكأن هذا تعليل لما مر في هذا المقطع من الإقرار والحفظ والاستثناء .. فكلها ترجع إلى حكمة يعلمها من يعلم الجهر وما يخفى؛ ويطلع على الأمر من جوانبه جميعًا، فيقرر فيه ما تقتضيه حكمته المستندة إلى علمه بأطراف الأمر جميعًا) ، فهو سبحانه وتعالى لم يؤتنا من العلم إلا قليلا، فالعلم الذي علمه الله تعالى للبشر علمان، وقد حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن وعاء منه، و أمسك بالآخر، وقال (حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين، فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثبته قطع هذا البلعوم) [1] ، وقد أكد ابن حجر أن العلم الذي كتمه أبو هريرة ليس من الأحكام الشرعية، إذ لو كانت من الأحكام الشرعية ما وسعه كتمانه، و يؤيد ذلك أنه حدث ببعض الأحاديث كان يريد كتمانها حتى لا يتكل الناس لكنه حدث بها مخافة كتمان العلم كما في قوله سبحانه (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة/159 - 160) [2] ، وليس ذلك شأن أبو هريرة وحده فحسب، و إنما كان ذلك من فقه صحابة رسول الله رضهم الله عنهم كذلك، فعن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على الراحل قال (يا معاذ بن جبل) قال لبيك يا رسول الله وسعديك قال (يا معاذ) قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال (ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار) ، قال يا رسول الله أفلا أخبر به الناس فيستبشروا؟ قال (إذا يتكلوا) ، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما [3] ، أي مخافة أن يكتم علما شرعيا، أما العلم الذي كتمه أبو هريرة و لم يحدث به، إنما هو من قبيل العلوم الغيبية، كما ذكر ابن حجر (يحتمل أن يكون أراد مع الصنف المذكور ما يتعلق بأشراط الساعة وتغير الأحوال والملاحم في آخر الزمان فينكر ذلك من لم
(1) رواه البخاري ج 1 ص 56 رقم 120
(2) فتح الباري ج 1 ص 217
(3) رواه البخاري ج 1 ص 59 رقم 128