يقول الحق تبارك وتعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) {الأنبياء/25} ، يقول العلماء (الذي ينزله الرب الخالق الأعلى على قلب محمد قد أنزل مثله من قبل على شيخ الأنبياء إبراهيم وعلى كليم الله موسى: فهي عقيدة واحدة، وتعاليم واحدة، ليس لها إلا مصدر واحد هو الله رب العالمين، ويلاحظ هنا -من وحي السياق نفسه- أن الدعوة الإسلامية أنبأت عن نفسها منذ أوائل المرحلة المكية بأنها عالمية، وأن أصولها واحدة كأصول الأديان السماوية، وقد أشار إلى هذا في سياقنا نفسه ذكر صحف إبراهيم وموسى، فلم ينتظر القرآن هجرة النبي إلى المدينة والتقاءه بيهودها ليتحدث عن صحف نبيهم موسى، بل عرض لموسى كما عرض لإبراهيم في مكة نفسها تأكيدا لعالمية الدعوة ووحدة أصلها) [1] .
فهناك أمران ثابتان في هذا الدين لا يعتريهما النسخ ولا التبديل مهما مرت الأزمان وتغيرت الشعوب والأفهام، هما أمر توحيد الله والآخر تزكية النفس، وقد تحدثت السورة عنهما -كما أسلفنا - واختتمت بالتأكيد على أنهما من الأمور الثابتة الراسخة التي لا تتبدل رغم تبدل الأحكام، ولا يعتريهما النسخ رغم نسخ الشرائع، و إنما هي أمور تتكامل في حقيقتها لتشكل مضمون هذا الدين، وهو الذي جاءت به الرسل، فدعوتهم واحدة بالرغم من اختلاف مناسكهم، قال سبحانه (إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ) (فصلت/14) ،
(1) الشيخ صبحي الصالح: مباحث في علوم القرآن - انظر تفسيرها في"الطبري 30/ 138"- قارن بتفسير الرازي 8/ 428.
الناشر: دار العلم للملايين