فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 25

فإذا كانت الغاية هي التوحيد، فإن الوسيلة هي التزكية، فمن عوامل الرفعة في المنزلة عند الله تعالى تزكية النفس، يقول سبحانه (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (البلد/9 - 10) ، حيث يرشدنا المولى سبحانه إلى أهمية التزكية والاجتهاد على القلب ليصير سليما من الأمراض، خاليا من الشرك والرياء والغرور والكبر، وكافة الآفات التي تعترضه حتى تهلكه، قال تعالى (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) (إبراهيم/88 - 89) ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) [1] ، فالمسألة -إذن - خطيرة وعظيمة، ولابد من الانتباه لها، فأمر الجنة و النجاة من النار ليس بالأمر الهين، وإنما لا بد له من تزكية، وتطهير للقلب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم قال (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) [2] .

وطهارة القلب و نقاؤه من الأمراض لابد و أن يصاحبه ويقارنه حضور اللسان و تفاعل الجوارح مع ذكر الله تعالى، ومن هنا شرع الذكر والأذكار، فكلما ردد اللسان اسم الله تعالى كلما كان ذلك مؤثرا على العقل وسائر الجوارح لاستشعار عظمة الخالق و علو شأنه، وعندما يعلم المؤمن ذلك و يوقن قلبه علو ربه، فإن واجب العبادة يقتضي أن يتزلف له سبحانه ويتقرب إليه بأسمائه وصفاته العلى، فكان الأمر بالتسبيح - في بداية السورة - باسم الله تعالى (الأعلى) وتنزيهه سبحانه عن النقائص والعيوب و الشبيه و المثيل، لهو حق العبادة التي أمر الله تعالى بها خلقه، فعن حذيفة: أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فكان يقول (في ركوعه سبحان ربي العظيم، وفي سجوده سبحان ربي الأعلى) [3] ، ليقترن التسبيح والتنزيه بالسجود

(1) رواه مسلم ج 1 ص 247 رقم 131

(2) رواه البخاري في صحيحه رقم 52 ج 1 ص 28

(3) الترمذي ج 2 ص 48 رقم 262 و صححه الألباني

كما ورد ذلك من قوله، بيد أن الروايات المصرحة بأن ذلك من قوله بلفظ (اجعلوها في ركوعكم) ، و ليس من فعله فحسب ضعفها الألباني للجهالة بـ (إياس بن عامر) ترجيحا لرأي الذهبي فيه، بيد أن غيره وثقه أمثال ابن حبان في الثقات، ولا غرو أنه متساهل في التصحيح، كما صحح له بن خزيمة في التهذيب و قال عنه في التقريب (صدوق) ، و بالرغم من تشدد ابن أبي حاتم فقد أورده و لم يذكر فيه حرج ولا تعديل - يراجع في ذلك إرواء الغليل للعلامة الألباني ج 2 ص 41

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت