أما الصفة الثانية لنار الآخر فهي أنها ليس فيها حياة ولا موت - نسأل الله السلامة - إذ ليست العبرة بكثرة الداخلين فيها و لا بشدة عذابها، إنما الطامة حقا أن يكون هذا العذاب خالدا مخلدا، فلا موت فيها و لا حياة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (يقال لأهل الجنة يا أهل الجنة خلود لا موت، ولأهل النار يا أهل النار خلود لا موت) [1] ، فهذا هو معنى أن لا موت فيها، فما معنى أن لا حياة؟ إن الشقاء كل الشقاء أن يتمنى الشقي الموت فلا يناله، فيكره الحياة، ولا يطيقها، فيكون الموت عنه أسمى أمانيه إلا أنه عنه بعيد، يقول سبحانه (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) (الزخرف/77) ، فهو خلود و مكوث في الجحيم، و ليت ذلك فحسب، إذ قد يخفف الله عنهم العذاب إلا أنه سبحانه قضى بأن (لا) ، يقول سبحانه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) (فاطر/36) ، إنه بؤس وشقاء ألا يهرب من يعلم ذلك منه إلى الجنة؟! صدق النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال (يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) [2] .
لا شك أنه بعد هذا العرض المفزع لمصير الأشقياء لتتهافت النفس لمعرفة أين طريق النجاة والفلاح؟ كيف يطفئ العبد غضب الرب سبحانه وتعالى؟ وكيف يتقي عذابه؟ وكيف يخشاه؟ فبين القرآن الطريق، مبينا أنه التوحيد، بقوله (سبح اسم ربك الأعلى) ، ووسيلته التزكية، بمعنى تزكية النفس من الرذائل، وطهارة القلب من الأحقاد، ولهج اللسان بذكر الله و خشوع الجوارح بالصلاة، و هجر الدنيا لأجل الآخرة، يقول النبي صلى الله عليه وسلم (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) [3] .
(1) رواه البخاري ج 5 ص 2397 رقم 6179
(2) رواه البخاري ج 1 ص 354 رقم 997
(3) رواه مسلم ج 4 ص 2272 رقم 2956